ترك برس

يرى الكاتب والمحلل الاستراتيجي عثمان غازي قندمير، أن الدبلوماسية لا تزال حاضرة بقوة في إدارة العلاقات الدولية، فالدول ما زالت ترسل السفراء، وتعقد القمم، وتوقع الاتفاقيات، وتتواصل مع بعضها بعضا خلال الأزمات.

لكن الكاتب يعتقد - في مقال نشره موقع "إندبندنت تركية" - أن وزن الدبلوماسية في إدارة الدول تراجع مقارنة بالماضي، موضحا أن القضية لا تتعلق باختفاء الدبلوماسية، وإنما بفقدانها جزئيا مكانتها باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للاستراتيجية الكبرى للدول.

ويشير قندمير إلى أن القيمة الحقيقية للدبلوماسية لا تظهر في فترات غياب الحرب، بل تتضح بصورة أكبر عندما ترتفع احتمالات اندلاعها. فعندما تواجه دولة خصما أقوى منها، تكون أمامها خيارات عدة، بينها تعزيز جيشها، وتعبئة مواردها الاقتصادية، أو إقامة شراكات جديدة في مواجهة الخصم.

غير أن الموارد العسكرية والاقتصادية تبقى محدودة، وتصبح هذه الحدود أكثر وضوحا عندما تواجه الدولة تهديدات متعددة في الوقت نفسه.

وهنا، بحسب الكاتب، تظهر الوظيفة الاستراتيجية للدبلوماسية. فهي لا تزيد قوة الدولة بطريقة سحرية، لكنها تستطيع أن تجعل القوة الموجودة أكثر فاعلية. ويمكن للدبلوماسية أن تساعد في كسب الحلفاء، وإضعاف تحالفات الخصم، وتغيير توقيت الحرب، ومنع الدولة من الاضطرار إلى خوض مواجهات على جبهات متعددة في الوقت ذاته.

الدبلوماسية العثمانية نموذجا

يقدم الكاتب الدبلوماسية العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني مثالا قويا على ذلك. فبينما كانت الدولة العثمانية تواجه آل هابسبورغ، أبرز خصومها في أوروبا، أقامت علاقات وثيقة مع فرنسا.

ويرى قندمير أن الهدف لم يكن مجرد كسب صديق جديد، بل كان يتمثل في موازنة قوة آل هابسبورغ في أوروبا وتقليل العبء الاستراتيجي الذي تواجهه الدولة العثمانية.

فالصراع الفرنسي مع آل هابسبورغ أتاح للدولة العثمانية استخدام مواردها العسكرية في ظروف أكثر ملاءمة.

ويكمن الجانب المهم في هذا المثال، بحسب الكاتب، في أن الدولة العثمانية استخدمت الدبلوماسية في فترة كانت فيها قوية عسكريا، أي أن الدبلوماسية لم تكن تعويضا عن الضعف، وإنما وسيلة لجعل القوة أكثر فاعلية.

ويختصر الكاتب الحساب الاستراتيجي آنذاك في فكرة بسيطة: بدلا من مواجهة كل الخصوم في الوقت نفسه، يتم دفع قوى مختلفة إلى مواجهة الخصوم، وتوجيه الموارد الوطنية نحو التهديدات ذات الأولوية.

ويرى أن المشكلة الاستراتيجية نفسها لا تزال قائمة اليوم، إذ يتعين على الدولة ألا تحسب فقط حجم قوتها العسكرية، بل أيضا من يمكنها التحرك معه، والعلاقات التي تستطيع إضعافها لدى خصومها، وكيف يمكنها استخدام عامل الوقت لمصلحتها.

لماذا تراجعت الدبلوماسية إلى الخلف؟

يرى قندمير أن أحد الأسباب المهمة لذلك يعود إلى التفوق الأمريكي الذي ظهر بعد انتهاء الحرب الباردة. ففي تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، كان التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي للولايات المتحدة واضحا إلى درجة جعلت واشنطن أقل احتياجا إلى دبلوماسية توازن القوى التقليدية.

وبدلا من بناء تحالفات معقدة لموازنة الخصوم، بدا استخدام القدرات المتفوقة التي تمتلكها الولايات المتحدة خيارا أسهل.

ويشير الكاتب إلى أن هذا الوضع أدى أيضا إلى تغيير طبيعة الدبلوماسية نفسها، إذ برزت بصورة أكبر ملفات إدارة الأزمات، وتشغيل المؤسسات الدولية، ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين أصبحت القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والأدوات القانونية عناصر أكثر وضوحا في السياسة الخارجية.

لكن قندمير يرى مفارقة هنا، تتمثل في أنه كلما أصبحت القوة العسكرية أكثر وضوحا، أصبح قياس نجاح الدبلوماسية أكثر صعوبة.

فمن الممكن حساب قدرات جيش ما من خلال عدد السفن الحربية والطائرات والصواريخ التي يمتلكها، بينما يكمن نجاح الدبلوماسية في كثير من الأحيان في أحداث لم تقع أصلا.

نجاح الدبلوماسية قد يكون غير مرئي

يشير الكاتب إلى صعوبة قياس قيمة حرب لم تندلع، أو معرفة أهمية تحالف لم يتم تشكيله، أو إدراك تأثير اتفاق منع الخصم من التحرك، إذ قد لا تتضح أهمية مثل هذه الاتفاقية إلا بعد انهيارها.

كما أن السنوات الإضافية التي تنجح الدولة في كسبها بفضل الدبلوماسية ليست ظاهرة للعيان مثل الانتصار في ميدان المعركة.

ولهذا، يرى قندمير أن القيمة الاستراتيجية للدبلوماسية أصبحت غير مرئية إلى حد ما. فالدبلوماسية الناجحة لا تنتج أخبارا في كثير من الأحيان، لأن نجاحها يعني أن بعض الأزمات لم تقع أصلا.

عودة التنافس بين القوى الكبرى

يرى الكاتب أن النظام الدولي يشهد اليوم مرحلة جديدة من التحول، مع عودة التنافس بين القوى الكبرى، وتأثير العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على التوازنات العالمية، بالتوازي مع إعادة تشكيل البنية الأمنية في أوروبا.

وفي الشرق الأوسط، تتنافس عدة أطراف مع بعضها بعضا في الوقت نفسه، بينما تتزايد المشكلات التي تواجهها الدول، في ظل محدودية الموارد المتاحة لأي دولة.

ويعتقد قندمير أن هذه الظروف تجعل الدبلوماسية أداة استراتيجية مهمة من جديد.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من إضفاء طابع رومانسي على الدبلوماسية، فهي لا تؤدي دائما إلى السلام، وليس كل اتفاق جيدا بالضرورة. وقد يؤدي التوصل إلى تسوية مع خصم إلى إتاحة المجال أمام تهديد آخر للنمو.

كما أن كسب حليف جديد قد تكون له تكلفة باهظة على المدى الطويل، ولذلك فإن الدبلوماسية الناجحة لا تعني التوصل إلى اتفاق في جميع الظروف.

الدبلوماسية لا تحل محل الحساب الاستراتيجي

يشدد الكاتب على أن القضية الأساسية هي أن تعرف الدولة ما الذي تريده، وأن تحدد بدقة القضايا التي يمكنها تقديم تنازلات بشأنها وتلك التي لا يمكنها التنازل عنها، إضافة إلى تقدير المخاطر التي يمكن تحملها.

فالدبلوماسية، بحسب رؤيته، لا تحل محل هذه الحسابات، وإنما تجعل تنفيذها ممكنا.

ومن هذا المنظور، يرى قندمير أن الدبلوماسية ليست بديلا عن القوة العسكرية، كما أن الاثنين ليسا متنافسين. فالقوة العسكرية توفر الردع، بينما تساعد الدبلوماسية في تحديد الظروف التي يمكن استخدام هذه القوة فيها، وكيفية التأثير في سلوك الطرف الآخر.

ويرى أن المطلوب اليوم ربما ليس إعادة تمجيد الدبلوماسية بمعناها القديم، بل تذكّر وظيفتها الاستراتيجية من جديد.

ففي عالم عاد فيه التنافس بين القوى الكبرى، أصبحت الموارد محدودة، والتهديدات متعددة، وكلفة الحرب مرتفعة. وفي مثل هذا الوضع، لا تقل أهمية إجبار الخصم على التحرك في الظروف التي تريدها الدولة عن أهمية هزيمته.

ويشمل ذلك كسب الحلفاء، وفصل الخصوم عن بعضهم بعضا، وكسب الوقت، وتجنب خوض حروب على جبهات متعددة، وهي مسائل لا تقع خارج نطاق الاستراتيجية العسكرية، بل يتم حل جزء مهم منها عبر الدبلوماسية.

الدبلوماسية تعود إلى الواجهة

يخلص قندمير إلى أن القول بتراجع أهمية الدبلوماسية قد يكون صحيحا جزئيا، لكنه يربط ذلك بعاملين أساسيين: تغير النظام الدولي، وطبيعة النجاح الدبلوماسي الذي يبقى في كثير من الأحيان غير مرئي.

فقد أدى النظام أحادي القطبية الذي ساد بعد الحرب الباردة إلى تهميش بعض الوظائف الاستراتيجية للدبلوماسية، بينما يعيد عالم اليوم الأكثر تجزؤا وتنافسية إظهار تلك الوظائف إلى الواجهة.

ويؤكد الكاتب أن الدبلوماسية لا تخلق قوة لا تمتلكها الدولة، لكنها تستطيع تغيير توقيت ومكان وطريقة استخدام القوة التي تملكها.

ومن هنا، يرى أن القيمة الحقيقية للدبلوماسية في إطار الاستراتيجية الكبرى تكمن تحديدا في قدرتها على تحويل القوة القائمة إلى أداة أكثر فاعلية في إدارة الخصوم والتحالفات والأزمات.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!