ترك برس

يرى الكاتب والمحلل التركي بارتو إكن أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة رغم التفوق العسكري الهائل لواشنطن، لأن القوة العسكرية الأمريكية لم تتحول حتى الآن إلى نتيجة سياسية حاسمة، فيما يكفي إيران، بحسب تقديره، أن تحافظ على بقاء نظامها وقدرتها على إطلاق الصواريخ وفرض كلفة على خصومها حتى تعتبر نفسها مستمرة في تحقيق أهدافها.

وفي مقال نشره موقع "خبر7"، أشار إكن إلى أن الولايات المتحدة، صاحبة أكبر قوة عسكرية في العالم، تواصل منذ أشهر قصف إيران التي تنفق على الدفاع أقل بنحو 129 مرة من الولايات المتحدة، لكنها لم تتمكن من تحقيق النتيجة السياسية التي تريدها.

وأوضح أن التفوق الأمريكي في القوة الجوية والبحرية وقدرات الاستخبارات والهجمات بعيدة المدى واضح، كما أن القدرات الاقتصادية لإيران لا تقارن بواشنطن، إلا أن إعلان الولايات المتحدة النصر يتطلب ترجمة هذه الأفضلية العسكرية إلى نتائج سياسية ملموسة.

ويطرح الكاتب مجموعة من الأسئلة التي يرى أنها لم تجد إجابة حتى الآن، من بينها: ما مصير البرنامج النووي الإيراني؟ وهل ستُقيّد قدرة طهران على إنتاج الصواريخ الباليستية؟ وهل سيُفتح مضيق هرمز بالكامل؟ وماذا سيحدث للشبكات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة؟

ويرى إكن أن استمرار إيران في رفض التخلي عن هذه الملفات يجعل تدمير مئات الأهداف غير كافٍ لإنهاء الحرب.

طهران تراهن على البقاء والوقت

وبحسب الكاتب، فإن معايير النصر ليست متساوية بين الطرفين؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى تغيير سلوك إيران حتى تتمكن من إعلان الانتصار، بينما قد يكون بقاء النظام الإيراني وقدرته على مواصلة إطلاق الصواريخ وإلحاق الخسائر بالخصم كافيًا لطهران لاعتبار الحرب مستمرة لصالحها.

ويعتبر إكن أن أحد أكبر أسلحة إيران هو عامل الوقت، إلى جانب اعتمادها على أساليب الحرب غير المتكافئة.

وأشار إلى اتساع مساحة إيران، التي تبلغ نحو 1.65 مليون كيلومتر مربع، وطبيعتها الجبلية، ووجود منشآت تحت الأرض ومنصات صواريخ موزعة في مناطق مختلفة، فضلًا عن البنية التحتية التابعة للحرس الثوري والمنشآت النووية والمخازن المحصنة.

ويرى أن القضاء على هذه القدرات بشكل متزامن ودائم يحتاج إلى عملية عسكرية أكبر بكثير من مئات الغارات الجوية، وهو ما تدركه طهران جيدًا.

ويضيف الكاتب أن واشنطن تراهن على أن الاقتصاد الإيراني لن يستطيع الصمود أكثر من بضعة أشهر، في حين تضع طهران في حساباتها عوامل أخرى، مثل الرأي العام الأمريكي، وأسعار النفط، ومخزونات الذخيرة، والدعم السياسي الذي يحظى به الرئيس دونالد ترامب، فضلًا عن القدرات العسكرية التي تحتاج الولايات المتحدة إلى تخصيصها لمواجهة الصين.

ويخلص إكن إلى أن الحساب الإيراني يقوم على الصمود لفترة أطول من المدة التي ستكون الإدارة الأمريكية مستعدة سياسيًا لمواصلة الحرب خلالها.

حرب استنزاف مكلفة لواشنطن

ويرى الكاتب أن التكلفة الاقتصادية للحرب تمثل ميزة أخرى لإيران، إذ إن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية فعالة للغاية، لكنها مكلفة في الوقت نفسه.

ويوضح أن إطلاق طائرة مسيرة إيرانية رخيصة، حتى لو لم تصل إلى هدفها، يمكن أن يجبر الجانب الأمريكي على تشغيل الرادارات واستنفار أطقم الدفاع الجوي وإقلاع الطائرات الحربية وتشغيل طائرات الإنذار المبكر، وربما إطلاق صاروخ اعتراضي، فضلًا عن استهلاك ساعات من الصيانة.

وبذلك، يمكن لطائرة مسيرة منخفضة التكلفة، بحسب إكن، أن تفرض على الطرف المقابل تكلفة تفوق قيمتها مرات عديدة، وهو ما يجعل الحرب غير المتكافئة أداة فعالة في استراتيجية الاستنزاف الإيرانية.

مضيق هرمز ورقة ضغط متبادلة

ويشير الكاتب إلى أن الجغرافيا تمنح إيران ميزة يصعب تغييرها، ولا سيما وجودها على الساحل الشمالي لمضيق هرمز.

فالألغام وأنظمة الدفاع الساحلي والزوارق السريعة والصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والغواصات تمنح طهران مجموعة واسعة من الأدوات القادرة على تهديد حركة الطاقة العالمية.

ويصف إكن الوضع بأنه أشبه بآلية «احتجاز رهائن متبادلة»؛ إذ تستطيع واشنطن إلى حد كبير تقليص صادرات النفط الإيرانية، بينما تستطيع طهران تهديد أمن أحد أهم شرايين تجارة النفط العالمية.

ويشرح الكاتب هذه المعادلة بالقول إن رسالة واشنطن تتمثل في منع إيران من بيع نفطها، بينما يمكن لطهران الرد بجعل نقل نفط الآخرين أكثر تكلفة وخطورة.

ويشير إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية كانت تمر يوميًا عبر مضيق هرمز قبل الحرب، لكن تقدير الكميات الحالية أصبح أكثر صعوبة بسبب ظروف الحرب، وإغلاق السفن أنظمة التعريف الآلي الخاصة بها، وصعوبة تتبعها عبر الأقمار الصناعية، فضلًا عن وجود فروق كبيرة بين الأرقام الرسمية وتقديرات الشركات المستقلة.

إسرائيل تضع سقفًا أعلى لإنهاء الحرب

ويرى إكن أن حسابات إسرائيل تختلف عن الحسابات الأمريكية، إذ تنظر واشنطن إلى إيران باعتبارها تهديدًا إقليميًا مهمًا، بينما تتعامل إسرائيل معها باعتبارها مشكلة أمن قومي مباشرة.

ويعدد الكاتب المخاوف الإسرائيلية، من الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي الإيراني إلى حزب الله والحوثيين والجماعات المرتبطة بإيران في العراق، فضلًا عن احتمال إعادة طهران بناء قدراتها العسكرية.

ولذلك، يعتقد إكن أن «عتبة الأمن» التي تحتاجها إسرائيل لإنهاء الحرب قد تكون أعلى من تلك التي تحتاجها الولايات المتحدة.

ويشير إلى أن إيران كانت تمتلك، قبل الهجمات، نحو 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، وفق ما كان يُعلن، بينما أدى عدم تمكن المفتشين الدوليين بعد الهجمات من الوصول إلى جميع المنشآت والمخزونات إلى خلق حالة من الغموض الخطير بالنسبة لإسرائيل.

ويخلص إلى أن إسرائيل لا تستطيع إعلان زوال التهديد طالما أنها لا تعرف مكان اليورانيوم الإيراني.

الحرب تنشئ اقتصادها الخاص

ويطرح الكاتب سؤالًا آخر حول المستفيدين اقتصاديًا من استمرار الحرب، معتبرًا أن شركات الصناعات الدفاعية تأتي في مقدمة المستفيدين.

ويشير إلى ارتفاع إيرادات قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم في إطلاق النار لدى شركة «لوكهيد مارتن» بنسبة 20 بالمئة، ووصول قيمة طلبياتها المتراكمة إلى 230.4 مليار دولار، فيما بلغت طلبيات شركة «RTX» نحو 289 مليار دولار، وارتفعت مبيعات قطاع الأسلحة في «رايثيون» بنسبة 18 بالمئة.

كما يلفت إلى إبرام الجيش الأمريكي اتفاقًا مع «لوكهيد مارتن» لتوريد صواريخ «PAC-3 Patriot» بقيمة قد تصل إلى 58.6 مليار دولار، مع استهداف رفع الإنتاج السنوي من صواريخ «PAC-3 MSE» إلى ألفي صاروخ.

ويرى إكن أن هذه الأرقام لا تثبت أن شركات الدفاع هي التي أشعلت الحرب، لكنها توضح بجلاء أن الحرب، بمجرد اندلاعها، تبدأ في بناء منظومة اقتصادية خاصة بها.

ولا يقتصر الأمر، بحسب الكاتب، على الولايات المتحدة وإسرائيل؛ إذ تمتلك إيران أيضًا اقتصاد حرب خاصًا تشكل حول الحرس الثوري وصناعات الصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات التهريب والأسطول النفطي السري وخطوط الإمداد الإقليمية.

ويشير إلى أن العقوبات قد تغلق قناة للإمداد، لكن قناة جديدة تظهر، وقد تُدرج شركة على قوائم العقوبات لتظهر بعدها شركة واجهة جديدة، كما يؤدي تقييد تجارة النفط التقليدية إلى توسع الأسطول النفطي السري.

لماذا لا تنتهي الحرب؟

ويخلص بارتو إكن إلى أن استمرار الحرب يرتبط في نهاية المطاف بغياب الثقة بين أطراف الصراع، وباعتقاد كل طرف أن خصمه هو الذي سيتراجع أولًا.

ويرى أن وقف القتال يتطلب إبطاء منظومة واسعة تشكلت حول الحرب، تشمل مخزونات الصواريخ وناقلات النفط وشركات الصناعات الدفاعية والجماعات المسلحة وأسواق التأمين، إضافة إلى الحسابات السياسية الداخلية.

ويعتبر الكاتب أن الأخطر هو استمرار الأطراف في الامتناع عن تقديم التنازلات، انطلاقًا من اعتقادها بأن الطرف الآخر سيستسلم في نهاية المطاف، الأمر الذي يجعل الحرب قابلة للاستمرار حتى مع ارتفاع كلفتها على الجميع.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!