سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تستعد أوروبا، بأقصى سرعتها، لخوض حرب مع روسيا. وقد أصبحت النخب السياسية المركزية الحالية مستعدة ذهنيًا لهذه الحرب منذ وقت طويل. ولا تكترث هذه النخب إطلاقًا لعدم استعداد أوروبا من الناحية العسكرية. وتسعى بسرعة إلى تحويل الموارد المدرجة في ميزانيات الدول إلى استثمارات عسكرية. ومن الواضح أن تحقيق ذلك لا يمكن إنجازه بين عشية وضحاها. وبالطبع، هم يدركون أوجه قصورهم. لكن عقولهم تسبق الواقع. وفي الوقت نفسه، ينشغلون بإرهاب الرأي العام من خلال إثارة المخاوف بشأن الخطر الروسي.

أما روسيا، فهي أيضًا تدرك حقيقة الوضع. وترى أن المسألة بالنسبة إليها ستتجاوز بكثير خوض حرب مع أوكرانيا. ومن جهة أخرى، فإن الحرب بين أجهزة الاستخبارات قد بدأت بالفعل منذ وقت طويل. وتتوالى الأنباء تباعًا، مثل العثور على طائرة مسيّرة في مطار بألمانيا يُدّعى أنها تابعة للروس، أو تعطيل نظام الإنترنت الذي يدير حركة القطارات في هولندا، ما أدى إلى شلل حركة السفر بشكل مفاجئ. ويتبادل الطرفان الاتهامات. وفي خضم هذه السحابة من الغبار، يصبح من الصعب إصدار حكم دقيق بشأن من قام بماذا.

لنبدأ مباشرة بتشخيص واضح، ومن صلب الموضوع. إذا لم يمكن وقف هذا المسار، واندلعت الحرب الأوروبية الروسية بشكل أو بآخر، فمن الممكن أن تتحول هذه الحرب بسهولة إلى حرب بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا. (ولا يمكن لتركيا، العضو في الناتو، أن تبقى خارج هذه الحرب أيضًا). والأكثر من ذلك أن الطرف الذي سيجد نفسه محاصرًا في هذه الحرب سيكون على الأرجح روسيا، ولن يتردد، بعد وقت قصير، في مد أصابعه نحو ذلك الزر الخطير. لنتذكر أنه عندما طُرح هذا السيناريو، قال بوتين: «لن يكون للتاريخ طعم من دون روسيا»، وأظهر عزمه سواء في تصريحاته أو في التعديلات التي أجراها على العقيدة العسكرية. وخلاصة القول، يبدو من شبه المستحيل أن تبقى هذه الحرب حربًا تقليدية.

من الطبيعي أن نتوقع تدخل أشخاص يتحلون بالعقل والحكمة لوقف حرب من هذا النوع، يمكن رؤية نتائجها بسهولة ونحن جالسون إلى طاولة، حرب لن يكون فيها منتصر في نهاية المطاف، وقد تقود إلى دمار شامل وفناء جماعي، أليس كذلك؟ يا للأسف... لا تنتظروا عبثًا... هنا يمكن رؤية اختلال المشهد بوضوح أكبر. ويُقال إن العقل السياسي والتوازنات في أوروبا يصنعهما الحزبان المركزيان، سواء في اليمين أو اليسار. فقد صُمم نظام يسار الوسط لحماية النظام من مغامرات اليسار المتطرف، فيما صُمم يمين الوسط لحمايته من مغامرات اليمين المتطرف. واليوم، يجري الحديث عن تفريغ الأحزاب المركزية من مضمونها، وعن الصعود المتواصل الذي يتعذر وقفه لليمين المتطرف. وحقًا، عندما ننظر إلى أيديولوجية اليمين المتطرف، نجد تطرفًا يستحيل التوفيق بينه وبين العقل والضمير، وفي مقدمته كراهية الأجانب. وتعارض الغالبية الساحقة من هذه الأحزاب بشدة، على الأقل نظريًا، المثل الأعلى للأوروبية والاتحاد الأوروبي الذي يُزعم أنه يجسد القيم السامية للإنسانية والتنوير. أما الأسوأ من ذلك، فهو دعمها للصهيونية وجرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل. إن عوالمها الأيديولوجية والعقائدية شديدة التعقيد. فهي أشبه بحوض تطفو فيه موضوعات عديدة من النازية والفاشية. لكن من المبالغة، على سبيل المثال، النظر إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) باعتباره حركة نازية جديدة بالمعنى الحقيقي، استنادًا إلى ذلك. فالنازيون الألمان كانوا يمتلكون أيديولوجية معادية للسامية بشكل صريح. أما اليوم، فعلى الرغم من وجود مجموعات نازية سابقة ضمن قاعدته الاجتماعية، فإن السياسة الرسمية لحزب البديل من أجل ألمانيا تدعم الصهيونية بحماسة شديدة. ولم ينطلق النازيون من فكرة تفوق العرق الأبيض فحسب، بل انطلقوا أيضًا من فكرة تفوق الرجل، وكانوا يواجهون جميع العلاقات خارج إطار العلاقات المغايرة جنسيًا بالكراهية والعدوانية. أليس من اللافت أن تكون إحدى زعيمات حزب البديل من أجل ألمانيا امرأة، بل وأن تكون مثلية الجنس أيضًا؟

من الواضح أن أكثر جوانب اليمين المتطرف حدة هو كراهية الأجانب (Xenophobia). كما أن العداء للإسلام والمسلمين يمثل جانبًا آخر من جوانب التطرف والحدة التي تستحق الانتباه. ومن جهة أخرى، فإن هذه الأحزاب، خلافًا للنازيين والفاشيين الحقيقيين في العصور السابقة، ليست توسعية (إيريدنتية/توسعية). بل على العكس تمامًا، تتبع مسارًا انكفائيًا نحو الداخل... ويمكن إطالة الحديث عن الاختلافات. لكنني أود هنا أن أؤكد على أحدها، وأراه بالغ الأهمية. فمن المعروف أن النازيين والفاشيين كانوا يؤسسون أيديولوجياتهم على نزعة شوفينية قومية عميقة وعسكرة. أما المشهد اليوم فمختلف تمامًا. إذ تعارض شريحة واسعة من اليمين المتطرف الأوروبي الحرب الروسية الأوكرانية. بل إنها ترفض حربًا شاملة بين أوروبا وروسيا. فالأحزاب المركزية هي التي تحرض على الحرب الأوروبية الروسية، وتدعم أوكرانيا حتى الموت في مواجهة روسيا. ويقف الاشتراكيون الديمقراطيون والديمقراطيون المسيحيون في طليعة المحرضين على الحرب. وقد انضم إليهم أيضًا الجيل الجديد من حزب الخضر، الذي جعل الجيل القديم من الخضر، الممثلين لـ«الزهور والحشرات» والنضال من أجلها، عديمي التأثير. فما معنى الدفاع عن الطبيعة بحجة خدمة الحياة، ثم دعم حرب لا مفر من أن تطفئ حياة البشر؟

يتضح الخلل في المشهد على الفور. فالأحزاب التي تأسست بدعوى حماية النظام من التطرف، هي التي تقوم بالتحريض على الحرب، التي تمثل أقصى درجات التطرف، في حين أن اليمين المتطرف، الذي يُوصف بأنه معقل التطرف السياسي، صحيح أنه لا يتبنى قيمة السلام، لكنه لا يتبنى هذه الحرب المحتملة إطلاقًا. وخلاصة القول، إن القوى التي تشكل صمام الأمان أمام حرب ستكون نتائجها مرعبة ليست الوسط السياسي، بل القوى المعروفة بأنها تمثل التطرف السياسي. (ومن المستحيل ألا نتذكر عبارة أحمد كايا: «يا أمي، يا له من تناقض رهيب»).

تندلع الحرب عندما تتلاشى إمكانات السياسة. وتنمو المؤسسة السياسية والأنظمة السياسية وتزدهر عندما تُكبح دوافع الحرب، بوصفها نزعات تُساوى بالبدائية والوحشية، في إطار ادعاء حضاري. فالحرب ظاهرة سابقة للسياسة (Prepolitical) أو لاحقة للسياسة (Postpolitical). إن قيام الأحزاب المصممة لإبقاء الأنظمة قائمة، وتحقيق التوازن بينها، وضمان استمراريتها، بالتحريض على الحرب، يرسم مشهدًا يبعث على الضحك المرير. ولو كانت أليس فايدل هي من تحرض على الحرب، لما كانت هناك مشكلة. لكن الذين يدقون طبول الحرب هم أمثال ميرتس، وكلينغبايل، وباس.

الدوار مرض سيئ يؤدي إلى فقدان التوازن. ويجعل الحياة ضيقة على الإنسان. وأوروبا المتحضرة تعيش اليوم دوارًا سياسيًا. ولهذا المرض معالج سيئ، لكنه يأتي أيضًا ناشرًا أمراضًا أخرى من حوله.

أوروبا؟ إنها قارة عجوز بائسة ومريضة، تعاني من الدوار...

 

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس