
ترك برس
يرى الكاتب الدكتور عثمان غازي كاندمير في مقال تحليلي نشره موقع «إندبندنت تركية» أن تراجع فاعلية الأمم المتحدة لم يعد مجرد خلل هيكلي، بل بات يحمل فاتورة يدفعها أولاً الأضعف، ويطرح السؤال الأهم: من يتحمل كلفة هذا العجز؟
يشير الكاتب إلى أن رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي مايكل فرومان وصف أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام بـ«ضجة بلا طائل» مستعيراً عنوان مسرحية لشكسبير، ويؤكد أن تشخيصه دقيق. فكل النتائج الملموسة تقريباً التي شهدتها نيويورك في الأسبوع الماضي أُنتجت خارج إطار المنظمة. اتفاق القواعد بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند أُبرم عبر مفاوضات ثنائية، وخطة إعادة إعمار غزة البالغة 2.45 مليار دولار أُعلنت تحت مظلة «مجلس السلام»، بينما مُدد وقف إطلاق النار الجمركي بين ترامب وشي جينبينغ شهرين إضافيين. أما الخطب التي ارتفعت من منصة الجمعية العامة فلم تساهم في أي من هذه النتائج.
ويصحح الكاتب أولاً وهماً شائعاً: الجمعية العامة لم تكن يوماً جهازاً يصدر قرارات ملزمة. فالمادتان 10 و14 من ميثاق الأمم المتحدة تمنحانها صلاحية التوصية فقط، بينما تعود سلطة القرار الملزم والعقوبات واستخدام القوة إلى مجلس الأمن. المشكلة أن هذه السلطة مُعطّلة بسبب حق النقض. ووفقاً لبيانات تقرير مجلس الأمن، رُفضت سبعة مشاريع قرارات بالنقض في عام 2024، وهو أعلى رقم منذ عام 1986. ومع كل إغلاق في المجلس تُنقل الملفات إلى الجمعية العامة التي تصوّت، كما حدث في حزيران 2025 حين قُبلت دعوة لوقف إطلاق نار غير مشروط في غزة بـ149 صوتاً، دون أن يتغير شيء على الأرض. أما القرار 76/262 لعام 2022 الذي يُلزم العضو الدائم المستخدم للنقض بتقديم تفسير أمام الجمعية، فقد حوّلها إلى منصة للمساءلة، لكنه لم يجعلها مركزاً لاتخاذ القرار.
ويؤكد الكاتب أن المشكلة تجاوزت البعد الهيكلي لتكتسب بعداً مالياً واضحاً. أغلقت المنظمة عام 2025 بعجز قياسي في الاشتراكات غير المدفوعة بلغ 1.6 مليار دولار، نحو 95% منها على الولايات المتحدة بحسب منتدى السياسة العالمية. وأعلنت واشنطن انسحابها من 66 منظمة دولية بينها 31 تابعة للأمم المتحدة، بينما خُفضت الميزانية العادية لعام 2026 إلى 3.45 مليار دولار، وقُلصت النفقات بنسبة 15% مع إلغاء نحو 2600 وظيفة. وهذه التخفيضات لا تطال الجوانب الظاهرة أولاً، بل تستهدف الوظائف الهادئة مثل الوساطة والدبلوماسية الوقائية، وهي مجالات يصعب استعادة خبراتها بعد فقدانها.
ويرى الكاتب أن فاتورة انهيار الأمم المتحدة لا تصل إلى الجميع في الوقت نفسه، بل تبدأ بالأضعف. في المرتبة الأولى يأتي أولئك الذين يعتمدون على أذرع المنظمة في الميدان. فوفقاً لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الصادر في أيار، انخفض عدد الأفراد الدوليين في عمليات حفظ السلام إلى 78 ألفاً و633 بحلول نهاية 2025، أي أقل بنسبة 49% مما كان عليه في 2016، وهو أدنى مستوى منذ عام 2000. ويحسب معهد لوي أن نقص التمويل أدى إلى إعادة 13 إلى 14 ألف جندي وشرطي إلى بلدانهم. أما المدنيون في الكونغو وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى فيواجهون تآكل درع الحماية. وعلى الجانب الإنساني أصبح عدد المحتاجين يتجاوز 252 مليوناً، بينما تراجعت صناديق المساعدات بأكثر من 30% في عام واحد، ولن يتمكن عام 2026 من استهداف أكثر من 60% من المحتاجين، فيما مُوّل ربع خطة التدخل في اليمن فقط.
وتأتي في المرتبة الثانية الدول الصغيرة. فالجمعية العامة، بمبدأ «صوت واحد لكل دولة»، هي المنصة العالمية الوحيدة التي تمنحها ثقلاً حقيقياً. وقد أثبتت فانواتو ذلك حين قادت قرار 77/276 الذي طلب رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ، فقضت المحكمة بالإجماع عام 2025 بمسؤولية الدول عن أضرار المناخ. لكن مع تراجع الوزن السياسي للجمعية تضعف قابلية تطبيق هذا المكسب، ولا يملك أي دولة جزيرة مهددة بالغرق محكمة أو تحالفاً بديلاً.
أما المرتبة الثالثة فتشغلها القوى المتوسطة، وتركيا مثال نموذجي عليها. فالتخفيضات في ميزانيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي تنقل عبء اللاجئين مباشرة إلى الدول المضيفة، كما تفقد المنصة التي يُرفع منها شعار «العالم أكبر من خمسة» قيمتها. في المقابل يفتح الفراغ المؤسسي مجالاً جديداً للحركة أمام القوى المتوسطة التي تملك قدرة على الوساطة.
ويأتي الكبار في آخر الطابور. فهم يملكون قممهم الثنائية وتحالفاتهم المؤقتة وهياكلهم الخاصة. ويكفي أن «مجلس السلام» حصل على موافقة مجلس الأمن بالقرار 2803 ثم عمل خارج الأمم المتحدة ليؤكد هذه الحقيقة.
ويستذكر الكاتب درس التاريخ: حين انهارت عصبة الأمم لم يدفع الكبار الثمن أولاً، بل دفعته الحبشة التي غزتها إيطاليا عام 1935. وحذّر الإمبراطور هيلا سيلاسي من منصة جنيف عام 1936 الأعضاء بأن الدور سيأتي عليهم يوماً، وبعد ثلاث سنوات اندلعت الحرب في أوروبا.
ويرد الكاتب على اقتراح فرومان بتعيين أمين عام قوي ومستقل على غرار هامرشولد وأنان، مشيراً إلى أن الأمين العام يختاره الأعضاء الخمسة الدائمون أصحاب حق النقض. وحتى ريبيكا غرينسبان التي تقدمت في الجولة الثالثة منتصف أيلول حصلت على خمسة أصوات رافضة. ولا يبدو واقعياً انتظار موافقة الكبار على من يقيّدهم.
ويخلص الكاتب إلى أن مشكلة الأمم المتحدة ليست نقص القيادة. المشكلة الحقيقية أن القوى الكبرى توقفت عن النظر إلى المنظمة بوصفها آلية قرار، وحولتها إلى مجرد مسرح. على هذا المسرح لا يتغير المتحدثون، ولا يتغير أيضاً من يدفع الثمن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











