
ترك برس
يرى الكاتب نبي ميش في مقال تحليلي نشرته صحيفة صباح التركية أن العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، ويشرح التطورات الأمنية والسياسية التي تشهدها العلاقات التركية العراقية في هذا السياق.
فبعد اللقاء الذي جمع الرئيس رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت التركي، صدر بيان مشترك أكد الاتفاق على إرساء سلطة الدولة بشكل كامل في سنجار وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة هناك. وأوضح البيان أنه في إطار التقدم الذي يحققه العراق في تطبيقاته الأمنية، ووفقاً للآلية والجدول الزمني المتفق عليهما، ستسلم القوات التركية قاعدة بعشيقة-زيلكان تدريجياً إلى الحكومة الاتحادية العراقية.
ويشير الكاتب إلى أن وزير الخارجية هاكان فيدان شرح في مؤتمره الصحفي بالبيت التركي عقب الجمعية العامة للأمم المتحدة منطق تطبيق هذين القرارين. فالعناصر المسلحة في سنجار ستبدأ بتسليم أسلحتها إلى الدولة العراقية، ومع تحقق التقدم في هذا المجال ستخفض تركيا وجودها العسكري في المنطقة تدريجياً. أما الخطوات النهائية بشأن بعشيقة فسترتبط بانتهاء الوجود الإرهابي في سنجار بشكل كامل. وبالتالي، يقول الكاتب، لا يوجد جدول زمني أحادي الجانب أو غير مشروط، بل تسير العملية بالتوازي مع إرساء العراق سيادته في سنجار وتصفية الهياكل المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
ويذكر الكاتب أن الفترة السابقة في عهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني شهدت زخماً إيجابياً في العديد من المجالات، وعلى رأسها الكفاح المشترك ضد منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية. وفي هذا النهج الجديد اعتُبر ضمان أمن تركيا وإرساء سلطة الدولة العراقية في عموم البلاد هدفين متكاملين. وانطلاقاً من هذا التصور، وضعت اجتماعات آلية الأمن رفيعة المستوى بين تركيا والعراق في أنقرة في ديسمبر 2023 حزب العمال الكردستاني على رأس أولويات الأجندة بوصفه مشكلة أمنية مشتركة تهدد البلدين.
أما التطور الأهم، بحسب الكاتب، فقد جاء في اجتماع الأمن الذي عقد في بغداد في مارس 2024، حين أعلن مجلس الأمن القومي العراقي حزب العمال الكردستاني «منظمة محظورة». وكان هذا القرار مهماً في تقييد المجال السياسي واللوجستي والعملياتي للمنظمة داخل العراق. ثم نقلت زيارة الرئيس أردوغان إلى بغداد وأربيل في أبريل 2024 هذا النهج إلى إطار استراتيجي عبر اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي تناولت الأمن ومكافحة الإرهاب والاقتصاد والطاقة والمياه والنقل كمجالات متكاملة. وكان المقابل العملي لهذا التكامل هو مشروع طريق التنمية، الذي يعتمد نجاحه على وجود عراق آمن ومستقر، إذ يستحيل استدامة مشروع تجاري ونقل بهذا الحجم في جغرافيا تسيطر عليها المنظمات الإرهابية والهياكل المسلحة غير الحكومية.
ويضيف الكاتب أن مذكرة التفاهم العسكرية والأمنية ومكافحة الإرهاب الموقعة في أغسطس 2024 نقلت التعاون إلى مرحلة أبعد، حيث تقرر إنشاء مركز تنسيق أمني مشترك في بغداد ومركز تدريب وتعاون مشترك في بعشيقة، فأصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية وأمن الحدود والتنسيق في مكافحة الإرهاب ضمن هيكل مؤسسي.
ويتابع أن عملية حل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه في عام 2025 امتدت لتشمل امتداداته في العراق وسوريا. ورغم التساؤلات حول تأثير تغيير الحكومة بعد الانتخابات العراقية، إلا أن حكومة الزيدي واصلت سياسة الإدارة السابقة في تصفية الهياكل المسلحة غير الحكومية، وتمسكت بالخطوات التي اتخذت في عهد السوداني. وخلال زيارة رئيس الوزراء الزيدي إلى أنقرة في تموز، وُقعت خمس مذكرات تفاهم في مجالات مختلفة، واستمرت آليات التعاون عبر الزيارات المتبادلة.
ويرى الكاتب أن العراق يمر اليوم بمرحلة تاريخية حقيقية. فالولايات المتحدة تنسحب من العراق بعد خمسة وعشرين عاماً، وهذا التطور سيسرع تصفية المنظمات الإرهابية المسلحة غير الحكومية وعناصر الوكالة التي دعمتها واشنطن أو سمحت بنموها على مدى سنوات طويلة. ويؤكد أن لهذا التطور تأثيراً مهماً في قرار حزب العمال الكردستاني بترك السلاح.
كما يشير إلى أهمية التطورات الجارية في سنجار، التي توصف بـ«قنديل الثانية». فإعلان دمج عناصر وحدات مقاومة سنجار في مؤسسات الدولة العراقية وتصفية هياكل حزب العمال الكردستاني في المنطقة يدل على أن العملية تسير قدماً. لكن الجوهر، كما يقول الكاتب، يكمن في الإزالة الكاملة للبنية العسكرية والسياسية واللوجستية لحزب العمال الكردستاني في سنجار وإرساء سلطة الدولة العراقية بشكل لا يقبل الجدل.
ويستذكر الكاتب ما حدث في سوريا بعد تغيير النظام، حيث وُقع اتفاق 10 آذار لدمج قوات سوريا الديمقراطية/حزب الاتحاد الديمقراطي في الحكومة المركزية، لكن الخلافات الداخلية داخل حزب العمال الكردستاني أعاقت تنفيذه لفترة طويلة، ولم يتحقق الاندماج إلا بعد العمليات الأمنية التي نفذتها الحكومة السورية المركزية. ويدعو الحكومة العراقية إلى استخلاص الدروس من السلوك المعرقل الذي أظهرته قوات سوريا الديمقراطية في مراحلها الأولى، والاستفادة من التطورات الإيجابية التي شهدتها سوريا بعد الاندماج.
ويختم الكاتب بأن الحكومة العراقية تستهدف في الوقت نفسه دمج الميليشيات الموالية لإيران في الحكومة المركزية بحلول حزيران 2027 على أبعد تقدير. فانسحاب الولايات المتحدة وترك حزب العمال الكردستاني للسلاح وتصفية الميليشيات الأخرى ستشكل بداية مرحلة جديدة لاستقرار العراق والمنطقة معاً. ولذلك، يؤكد أن العراق يقف فعلاً على أعتاب مرحلة تاريخية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











