ترك برس

يرى مراقبون أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد شاشة باردة تقتصر على الإجابة عن أسئلتنا، وأنه بات قادراً على الابتسام، وحمل اسم، واختيار ملابس، والمزاح، بل وحتى الظهور أمامنا كأنه لعبة صغيرة، مؤكدين أن هدف عالم التكنولوجيا أصبح واضحاً: جعل الذكاء الاصطناعي ليس مفيداً فحسب، بل محبوباً أيضاً.

وترى الكاتبة التركية شوال شينر في مقال لها بصحيفة حرييت أن مساعد ميتا الجديد «ميوز» يُعد أحد أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه. وتوضح أن النظام يُقدَّم بوصفه مساعداً شخصياً يمكنه تنفيذ المهام اليومية نيابة عن المستخدمين، ويستهدف بشكل خاص من لا يتمتعون بخبرة تقنية عالية. 

غير أن ما يلفت الانتباه في «ميوز»، بحسب الكاتبة، ليس قدراته فقط، بل مظهره أيضاً. وتصف كيف يبدو بعيونه الصغيرة ووجهه المبتسم أقرب إلى شخصية رقمية منه إلى برنامج حاسوبي، مشيرة إلى أن المستخدمين يستطيعون تغيير اسمه وملابسه وشخصيته. 

وترى أن هذا التحول يدل على أن الشركات التقنية لم تعد تصمم الآلات لتسهيل أعمالنا فحسب، بل لتقريب المسافة العاطفية بيننا وبينها أيضاً.

وتلفت شينر إلى أن «ميوز» يدّعي تجاوز حدود روبوتات الدردشة التقليدية. فهو لا يقتصر على البحث عن وصفة طعام، بل يحدد المكونات المطلوبة ويدير عملية الطلب نيابة عن المستخدم. وبهذا، بحسب رأيها، يخرج الذكاء الاصطناعي من كونه «أداة تجيب» ليصبح «مساعداً ينفذ المهام». غير أنها تحذر من أن هذه السهولة قد تأتي بثمن: المزيد من البيانات والمزيد من الصلاحيات. 

وتؤكد أن نظاماً يتعرف علينا ويتصرف باسمنا يحتاج إلى معرفة تفضيلاتنا وعاداتنا والخدمات التي نستخدمها. وبالتالي، ترى أن المسألة لم تعد تقتصر على مدى ذكاء الذكاء الاصطناعي، بل على حجم السلطة التي نمنحها له.

وتضيف الكاتبة أن المظهر اللطيف يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة. فعندما نرى نظاماً مرحاً وذا شخصية، يسهل علينا الارتباط به. لكنها تؤكد أن القرب العاطفي ليس مرادفاً للثقة، مشيرة إلى أن الصورة الرمزية اللطيفة لا تلغي الأسئلة المتعلقة بكيفية معالجة البيانات الشخصية. 

وتذكر أن ميتا تعلن تخطيطها لاستخدام أجهزة حاسوب افتراضية آمنة وبنى تحتية متقدمة للخصوصية مع «ميوز»، غير أن مدى فعالية هذه الإجراءات سيظهر فقط في الاستخدام الفعلي والرقابة المستقلة.

وتعكس ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الإعلان عن «ميوز»، كما تلاحظ شينر، هذا التناقض بوضوح: بعضهم استمتع بإمكانية تخصيص الشخصيات، بينما تساءل آخرون عن نطاق البيانات الشخصية المطلوبة. وترى أن نقاش الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة قد يتمحور حول هذا السؤال تحديداً: إلى أي حد سنسلّم بياناتنا مقابل تسهيل حياتنا؟

وتختم الكاتبة بالإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي يدخل تدريجياً في تفاصيل الحياة اليومية، من النظارات الذكية إلى المساعدين الشخصيين. ولذلك، لن يقتصر التحدي المستقبلي على تطوير نماذج أقوى فحسب، بل سيشمل أيضاً رسم الحدود بيننا وبين هذه الأنظمة. 

فمهما بدا الذكاء الاصطناعي لطيفاً، تبقى الثقة صفة يجب إثباتها، لا مظهراً يُصمَّم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!