
أرطغرل جينغيل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
كما جرت العادة كل عام، اجتمع قادة العالم هذا العام أيضًا في نيويورك للمشاركة في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ونوقشت تحت مظلة الأمم المتحدة قضايا عديدة، من الإبادة الجماعية في غزة إلى الحرب مع إيران، ومن التسلح إلى الاضطراب الاقتصادي، ومن أزمة المناخ إلى المخاطر التي يخلقها الذكاء الاصطناعي.
وكما يحدث كل عام، ألقيت خطب كبيرة من على المنبر، وصيغت عبارات دبلوماسية، لكن لم يُنتج أي حل لمشكلات البشرية الملحة.
ولهذا السبب، تحولت هذه القمة العالمية، التي شارك فيها ممثلو أكثر من 150 دولة، إلى محكمة ضمير دولية جرى فيها التشكيك في مستقبل الأمم المتحدة نفسها وإرادتها.
وكان الصوت الصادر عن الأمم المتحدة، التي انعقدت تحت شعار «إعادة بناء الثقة، وإدارة التحول»، هو صوت تصدّع نظام يسير نحو الإفلاس، وليس صوت الدبلوماسية العالمية.
ذلك أن الأمم المتحدة، التي تُسوَّق باعتبارها مركزًا لحل المشكلات العالمية، تحولت، بسبب انحصارها بين توازنات القوى والعجز الذي تعاني منه، إلى نصب تذكاري للانهيار المالي والمبدئي.
الأمم المتحدة التي احتجزها ترامب رهينة
إن نظام الأمم المتحدة الذي بُني بقيادة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بات اليوم مشلولًا على يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فنحن أمام دولة مضيفة تتجاهل القواعد التي وضعتها بنفسها، وأمم متحدة استسلمت لابتزازاتها.
وقد تحوّل قرار إدارة ترامب إعلان الأمم المتحدة «عبئًا غير فعال لا يخدم المصالح الأمريكية»، والانسحاب من 66 منظمة دولية وقطع التمويل عنها، من مناورة دبلوماسية إلى عملية تخريب مباشرة للنظام العالمي.
ودُفعت المنظمة إلى ضائقة مالية بعدما قطعت الولايات المتحدة، التي تعد أكبر ممول للأمم المتحدة، مليارات الدولارات التي كانت تقدمها بنسبة 22 بالمئة من الميزانية الرئيسية و26 بالمئة من ميزانيات بعثات حفظ السلام. وبلغ إجمالي ديون الولايات المتحدة 4.2 مليارات دولار، منها 1.3 مليار دولار لميزانية تشغيل الأمم المتحدة و2.9 مليار دولار لبعثات حفظ السلام.
وبسبب هذا الموقف من الولايات المتحدة، التي أصبحت الدولة الأكثر مديونية للأمم المتحدة، اتُّخذ قرار بتسريح نحو 7 آلاف من موظفي الأمم المتحدة في محاولة لتجاوز الاضطراب الناجم عن ذلك، كما جرى تقليص العمليات في العديد من مناطق الأزمات الإنسانية.
أي أن الأمم المتحدة تكافح اليوم في خضم أزمة مالية لا تستطيع معها دفع رواتب موظفيها أو مواصلة عملياتها الميدانية. والأخطر من ذلك هو تحويل إدارة ترامب وضع الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة إلى سلاح في السياسة الخارجية، من خلال استخدام أقساط الديون مادة للمساومة.
وعلى الرغم من أن الأمر يمثل حقًا دبلوماسيًا، فإن الإدارة الأمريكية لم تمنح، هذا العام أيضًا كما حدث العام الماضي، رئيس دولة فلسطين محمود عباس تأشيرة دخول بصورة غير قانونية.
وإجبار عباس على عدم الذهاب إلى نيويورك واضطراره إلى المشاركة في الاجتماع عبر الإنترنت، يثبت أن الأمم المتحدة لم تعد مركزًا للدبلوماسية الدولية، بل أصبحت ملكية أمريكية تديرها موظفات وموظفو التأشيرات في واشنطن.
صعود تنين الشرق في الأمم المتحدة
تجري أيضًا، في ظل هذه الأزمة المالية، المناقشات حول هوية الأمين العام العاشر للأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية أنطونيو غوتيريش التي أوشكت على الانتهاء.
وترامب، الذي أعلن أنه سيستخدم حق النقض ضد الأسماء التي تؤكد على حقوق الإنسان والشمول، يسعى إلى وضع شخصية «دمية» على رأس الأمم المتحدة، تمثل مصالح الولايات المتحدة لا العالم.
وبينما تنسحب الولايات المتحدة من كل المجالات، بدءًا من اتفاقيات المناخ العالمية وصولًا إلى معايير الذكاء الاصطناعي، بذريعة «الخداع المعولم»، وتقوض النظام الذي أنشأته بنفسها، تتولى الصين، بصورة عدوانية، الأنقاض التي خلفتها وراءها.
فالصين، التي كان دعمها لنظام الأمم المتحدة في بداية الألفية الثانية لا يتجاوز مستوى 1 بالمئة فقط، رفعت اليوم مساهمتها في ميزانية الأمم المتحدة إلى أكثر من 20 بالمئة، بدفعة سنوية تبلغ 2.1 مليار دولار.
وإضافة إلى ذلك، فإن تنين الشرق، الذي دفع دفعة واحدة 641 مليون دولار خلال شهر سبتمبر/أيلول، يسير بسرعة نحو توسيع نطاق نفوذه على طاولة الدبلوماسية العالمية.
وتحاول الصين، التي تسعى إلى تحويل الوضع الراهن إلى فرصة، بناء تحالفات قوية مع الدول الصغيرة والمتوسطة الدخل من خلال مشاريع التنمية، فضلًا عن حصولها على العديد من المناصب الإدارية المهمة داخل الأمم المتحدة.
أي أن الأمم المتحدة تواجه اليوم، ليس أزمة مالية فحسب، بل أيضًا صراعًا على الشرعية والقوة في «رقعة الشطرنج المالية» للقوى الكبرى.
المسرحية المظلمة لنتنياهو مرتكب الإبادة الجماعية في الأمم المتحدة
إن الأمم المتحدة، التي يُقال إنها أُنشئت لحماية مُثل السلام لدى البشرية، هي مؤسسة دولية تسير اليوم، إلى جانب الاضطرابات المالية التي تعاني منها، نحو الإفلاس المبدئي أيضًا.
فالأمم المتحدة، التي عجزت عن إنتاج حلول حتى لأكثر مشكلات البشرية حيوية، من الإبادة الجماعية التي تشهدها غزة إلى الحرب المظلمة المستمرة في إيران، ليست سوى متفرج سلبي يراقب العمليات.
ففي مواجهة تعرض نحو 74 ألف فلسطيني بريء للإبادة الجماعية في غزة، دون تمييز بين النساء والأطفال، وتحويل المدن إلى أنقاض، ومنع المساعدات الإنسانية، أي مبدأ إنساني يمكن للأمم المتحدة العاجزة أن تحمل رايته؟
وماذا يمكن أن يُنتظر من مؤسسة تكافح في حالة من العجز، رغم استهداف إسرائيل التي لا تعرف حدودًا لعدوانها، مؤسسات الأمم المتحدة مرارًا، ومقتل نحو 400 من موظفي الأمم المتحدة؟
وأي مبادرة سلام يمكن انتظارها من الأمم المتحدة العالقة في دوامة العجز أمام اعتداءات إسرائيل، التي أشعلت، بتحريضاتها، حربًا مظلمة مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة، وأضرمت النار في المنطقة والاقتصاد العالمي بأسره؟
وفوق كل ذلك، يستطيع نتنياهو، رغم الإبادة الجماعية التي ارتكبها في غزة، ورغم مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، أن يشارك في الأمم المتحدة ومعه جهاز اتصال يُستخدم كقنبلة، ومجموعة أقمار ستارلينك الصناعية، وأن يروّج لمجزرة.
كما استطاع ممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، مواصلة استفزاز نتنياهو القذر من خلال أخذ قمر ستارلينك الصناعي إلى ممثل إيران.
فأي موقف ضميري يمكن انتظاره من الأمم المتحدة التي لم تتمكن من رفع حظر التأشيرة الذي فرضته الولايات المتحدة على الزعيم الفلسطيني عباس، لكنها فتحت منبرها أمام قاتل موظفيها، ومتهم بالإبادة الجماعية يفترض أن يمثل أمام المحكمة، وسمحت له بتقديم عرضه؟
صفعة تاريخية لنتنياهو
في الوقت الذي تتصاعد فيه ردود فعل أصحاب الضمائر الحية خارج الأمم المتحدة، فإن تمكن نتنياهو من استخدام منبر الأمم المتحدة التاريخي للترويج لمجزرة وللافتراءات الموجهة إلى تركيا، يمثل أبرز مؤشر على الإفلاس المبدئي.
وفي هذه المرحلة، إلى جانب ردود الفعل على نتنياهو مرتكب الإبادة الجماعية خارج المبنى، فإن الموقف المشرف الذي أظهره وفد 77 دولة، بقيادة تركيا، من خلال مغادرة قاعة الجمعية العامة، شكّل أملًا للإنسانية.
وكان هذا الاحتجاج الدبلوماسي القوي، الذي شهد هتافات استهجان وردودًا لفظية نادرة في تاريخ الأمم المتحدة، في الواقع مؤشرًا أيضًا على عزلة إسرائيل، مرتكبة الإبادة الجماعية، في الرأي العام العالمي.
لكن الكتلة الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وحلفاء إسرائيل مثل الأرجنتين، ومن احتموا خلف قناع المجاملة الدبلوماسية، أصبحوا شركاء في عار تاريخي من خلال عدم مغادرة مقاعدهم.
والأكثر إيلامًا كان بقاء وفود بعض الدول الإسلامية، مثل الإمارات العربية المتحدة وأذربيجان والمغرب والبحرين، في القاعة، في الوقت الذي كانت فيه صرخات المظلومين الذين قُتلوا في غزة ولبنان تصل إلى عنان السماء. وقد ضحّت هذه الحكومات، التي وضعت مصالحها السياسية وحساباتها الدبلوماسية فوق الضمير والإيمان وقانون الأخوة، بكرامة شعوبها في تلك القاعة الفارغة.
وفي الوقت الذي كانت فيه صرخات المستشفيات التي تعرضت للقصف، والمدن التي تحولت إلى أنقاض، وعشرات الآلاف من الأطفال الذين قُتلوا، تتردد في أروقة الأمم المتحدة، فإن الذين لم يغادروا القاعة واستمعوا بصمت إلى مرتكب المجزرة لم يحيّوا قاتلًا فحسب، بل حيّوا أيضًا قتل القانون الدولي.
أما تركيا، فلم تمنح دعاية نتنياهو المظلمة وافتراءاته أي اهتمام على مستوى رفيع، وقدمت عبر السكرتير الثالث إحسان طيلان أوزفار أقوى رد دبلوماسي يليق بدولة ناضجة.
صوت الضمير العالمي: دعوة أردوغان إلى الإصلاح
إن الطريق أمام الأمم المتحدة للخروج من حالة العجز والإفلاس هذه يكمن في تنفيذ إصلاحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي ظل يصرخ بها منذ سنوات من خلال مقولته «العالم أكبر من خمسة» بسرعة.
وقد خصص أردوغان، الذي يمثل صوت الضمير العالمي من الشرق الأوسط إلى إفريقيا، الجزء الأكبر من كلمته هذا العام مرة أخرى للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.
وكان أردوغان، منذ سنوات، يصرخ في وجه العالم بشأن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين وخطواتها غير القانونية، تارة باستخدام الخرائط، وتارة بعرض أكثر الصور إثارة التي التقطها مصورو وكالة الأناضول المتفانون في عملهم والذين يؤدون مهامهم في المنطقة.
وقد قوبلت كلمة أردوغان، التي اتخذت طابع البيان، بالتصفيق وقوفًا على منبر الأمم المتحدة الذي كان نتنياهو، مرتكب الإبادة الجماعية، يتعرض للاحتجاج فيه. وأعرب أردوغان بقوة عن صيغة خروج الأمم المتحدة التي باتت على حافة الإفلاس من هذا الوضع، سواء في كلمته أمام الجمعية العامة أو في مقاله الذي كتبه لصالح بلومبرغ.
وشدد أردوغان، الذي أكد الحاجة إلى نظام عالمي أكثر شمولًا وعدلًا وفاعلية، على ضرورة إلغاء حق النقض غير المنصف الذي تحتفظ به الدول الخمس الدائمة العضوية، وإنشاء نظام يشمل جميع الأعضاء.
وأشار أردوغان إلى ضرورة تعزيز الجمعية العامة للأمم المتحدة، موضحًا أن آلية اتخاذ القرار المكوّنة من أعضاء يتم اختيارهم من خلال نموذج انتخابي متساوٍ وعادل، وليس من الأعضاء الدائمين فقط، يمكنها إنتاج حلول للمشكلات العالمية.
ولم تعد القضية مجرد مطلب لتركيا وأردوغان، بل تتمثل في أن نظامًا دوليًا أُنشئ وفق توازنات القوى لعام 1945 أصبح عاجزًا عن إيجاد حلول لمشكلات عالم 2026.
إنها منع الدول التي أصبحت مصدرًا للظلم الدولي والصراعات والاستغلال الوحشي للموارد العالمية والمشكلات القائمة، للحلول الإنسانية.
إن مقولة أردوغان «العالم أكبر من خمسة» تشير بالضبط إلى هذا التناقض التاريخي.
وإذا أُخذت مقترحات الحل التي ظل الرئيس أردوغان يطرحها بإصرار منذ سنوات بعين الاعتبار، ونُفذ إصلاح شامل للأمم المتحدة، فقد يصبح النظام المشلول مجددًا مصدر أمل للإنسانية.
وإلا فإن الأمم المتحدة ستواصل، كما كانت بالأمس، كونها أكبر مسرح في العالم تُعرض فيه مصالح القوى الكبرى وتُلقى فيه الخطب الحماسية.
بل ستتحول إلى مسرح مظلم يستطيع فيه ممثلون ثانويون دمويون مثل نتنياهو عرض افتراءاتهم واستفزازاتهم دون رادع.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











