ترك برس

في تحليل معمّق نشره موقع Independent Türkçe، يستعرض غورسيل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في سلاح الجو التركي، نهج إدارة دونالد ترامب تجاه الحرب بين أوكرانيا وروسيا، مركزاً على الاتفاق الأميركي-الروسي بشأن الديزل الذي أُعلن في أكتوبر 2026، والضغوط المكثفة على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وقطع المساعدات بما في ذلك خدمات ستارلينك وستارشيلد وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب التباعد المتزايد بين الولايات المتحدة من جهة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى. 

ويضع الكاتب هذه التطورات في سياق أوسع يشمل تداعيات حرب إيران على مضيقي هرمز وباب المندب، والضربات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية، والانتخابات النصفية الأميركية.

يرى توكماك أوغلو أن نظرة ترامب إلى الحرب اتسمت منذ يناير 2015 بخط مختلف، تجسّد بوضوح في لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا في 15 أغسطس 2025، حيث برزت الدعوة إلى اتفاق سلام مباشر بدلاً من وقف إطلاق النار، إلى جانب نقاشات حول شرعية أوكرانيا. ويشير الكاتب إلى أن المشاهد الضاغطة على زيلينسكي في البيت الأبيض، والمفاوضات اللاحقة، ثم اتفاق الديزل في أكتوبر 2026، تمثل امتداداً لهذا النهج. 

ويوضح أن حرب إيران عام 2026 وما تبعها من توترات سعودية-حوثية أدت إلى اختناق في إمدادات الديزل العالمية عبر هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، بينما ساهمت ضربات أوكرانيا المدعومة غربياً على المصافي الروسية في تعميق هذا الاختناق، مما دفع الإدارة الأميركية إلى تبني منظور يركز على وقود الديزل. ويربط توكماك أوغلو تحركات ترامب عبر مبعوثيه ويتكوف وكوشنر نحو اتفاق مع موسكو بمحاولة ضبط أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026، متسائلاً عما إذا كانت السياسة بهذه البساطة فعلاً في ضوء ردود الفعل الدولية والحقائق الاستراتيجية.

وفي تفصيله لاتفاق الديزل وديناميكيات الضغط، يذكر الكاتب أن ترامب أعلن في 9 أكتوبر 2026، عقب مكالمة هاتفية مع بوتين، اتفاقاً يقضي بتوريد روسيا 300 ألف طن من الديزل فوراً إلى الأسواق الأميركية والعالمية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر، تليها كميات إضافية، مع تعليق وزارة الخزانة الأميركية للعقوبات مؤقتاً حتى نحو أبريل 2027. وينقل عن زيلينسكي وصفه الاتفاق بأنه «هدية لبوتين» و«استثمار في إطالة أمد الحرب»، مشيراً إلى أن الوفد الأوكراني استُخدم كـ«ستار دخان» خلال محادثات السلام في ميامي. ويضيف توكماك أوغلو أن ترامب دعا زيلينسكي إلى وقف ضرب المصافي الروسية، متهماً إياه بخلق «مشكلة عالمية»، واقترح على أوكرانيا «قائداً جديداً». ويؤكد أن الولايات المتحدة قلّصت بشكل كبير المساعدات المالية والعسكرية (مع أولوية الدفاع الجوي)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخدمات ستارلينك وستارشيلد، حيث أدت حدود السرعة في ستارشيلد إلى التأثير على الطائرات المسيرة الانتحارية متوسطة المدى وأنظمة الاعتراض، وأدت إلى ثغرات في التحذير من الهجمات الصاروخية الباليستية على كييف. وينقل عن إيلون ماسك تأكيده أن ستارشيلد يخضع لسيطرة الحكومة الأميركية، وعن زيلينسكي تشديده على أن قطع الدعم يزيد الخسائر المدنية، خاصة بين الأطفال.

أما بشأن التباعد بين أوروبا والناتو من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، فيبرز الكاتب استمرار دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو (بريطانيا وألمانيا وبولندا وإستونيا والسويد وغيرها) في التأكيد على تنامي التهديد الروسي، واعتبار حرب أوكرانيا حرباً أوروبية أيضاً. وينقل عن كايا كالاس قولها إن تعليق العقوبات على الديزل الروسي يمنح موسكو إيرادات إضافية، وإن الوقت ليس مناسباً لتخفيف الضغط، وإن أوروبا لن تفعل ذلك. ويشير إلى إعلان ألمانيا (ميرتس) وفرنسا (ماكرون) التزامهما بعقوباتهما الخاصة، وإلى رسائل التضامن الكامل مع زيلينسكي من بولندا (توسك) وبريطانيا (بيرنهام). ويرى أن إطار عمل القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا أليكسوس غرينكويتش «أوقف – اضرب – فرّق» يعكس نهجاً يركز على الإنكار والاستنزاف بدلاً من النصر الكلاسيكي. كما ينقل انتقادات الحزبين في الكونغرس الأميركي، حيث وصف نواب وشيوخ جمهوريون الاتفاق بـ«هدية للعدو وخيانة للحلفاء»، معتبرين أنه ينتهك حظر استيراد الطاقة الروسية لعام 2022 وقوانين العقوبات الحديثة، ومؤكدين أن تأثيره على الأسعار سيكون ضئيلاً بينما ستذهب الإيرادات لتمويل الحرب الروسية.

وفي السياق العالمي للطاقة والحدود الاستراتيجية، يرى توكماك أوغلو أن تحليلات عديدة ترجّح أن حجم اتفاق الديزل (بالملايين من الأطنان إجمالاً) لن يحدث انخفاضاً ملموساً ومستداماً في الأسعار العالمية، لأن الضغط الأساسي ينبع من حرب إيران ومخاطر الممرات. ويوضح أن معظم إنتاج روسيا الشهري من الديزل يذهب أصلاً إلى الاستهلاك الداخلي أو أسواق أخرى، وأن تخفيف العقوبات على الأسطول الظلي يكمل الإعفاء الرسمي. ويشير إلى أن بوتين رفض المفاوضات منذ البداية متذرعاً بشرعية زيلينسكي، بينما حوّل ترامب المسألة إلى معضلة شخصية بين «الوجود والعدم» أو «الحرب والسلام» عبر فرضه الذهاب إلى الانتخابات، مما يُغيّب تضحيات الشعب والجيش الأوكرانيين في الجبهات وبين المدنيين الذين يُقصفون ليلاً. وينقل عن الكرملين (ديميترييف وآخرين) اعتبار الاتفاق خطوة تفتح باب التعاون الاقتصادي.

ويختتم توكماك أوغلو تحليله بالتساؤل: هل الأمر بهذه السهولة؟ إذ يرى أن نهج الإدارة الأميركية المتمحور حول الديزل يبدو مختزلاً في معادلة خفض أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية. لكنه يؤكد أنه في حرب طويلة الأمد تغلب عليها الأبعاد الهجينة والاقتصادية، حلّ مفهوم «تغيير الوضع» محل مفهوم النصر الكلاسيكي. ويشير إلى محاولات أوروبا تعزيز قدراتها الخاصة (الدفاع الجوي، أنظمة الأقمار الصناعية IRIS²، التمويل)، والفراغ الناتج عن الاعتماد على ستارلينك، واستمرار الخسائر المدنية، كحقائق استراتيجية لا يمكن حلها باتفاق واحد أو ضغط على قائد واحد. ويشدد على أنه ما لم تتغير صورة هرمز وباب المندب والوضع ما بعد إيران، فإن بساطة هذه السياسة تظل موضع تساؤل. ويختم قائلاً إن الحروب لا تبدأ ولا تنتهي بهذه الطريقة، وإن سمعة السياسيين كأبطال أو كفاشلين ترتبط بما فعلوه وما عجزوا عنه، وإن إضفاء الطابع الشخصي على تضحيات الشعب والجيش لا يخفي العمق الاستراتيجي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!