مولاي علي الأمغاري - خاص ترك برس

اشتداد الأزمة بين تركيا وروسيا في الأيام الأخيرة، والطرق الدبلوماسية الحكيمة التي يدير بها الأتراك الأزمة مع روسيا، ومشكل دخول القوات التركية إلى الموصل بالعراق، فتح نقاشا واسعًا بين أصدقائي المثقفين والمهتمين بالشأن التركي، تلقيت في هذه النقاشات عدة أسئلة حول حزب العدالة والتنمية التركي وسياسته الخارجية وإنجازاته منذ وصوله للحكم، وهذه أهمها:

1- في نظرك هل نجحت سياسة حزب العدالة والتنمية في قيادة تركيا؟

حزب العدالة والتنمية لم ينجح داخل تركيا فقط بل وخارجها، فالعدالة والتنمية سوق أنموذجًا ديمقراطيًا منفتحًا يلتقي مع تعاليم الإسلام ولا يتعارض معه، وقد كرر الزعيم المؤسس لحزب العدالة التنمية ورئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في كثير من خطاباته وأحاديثه، ما يلي: "حزب العدالة والتنمية ليس حزبًا محليًّا بل هو أنموذج عالمي سيثبت للعالم أن الإسلام والديمقراطية يلتقيان ولا يتصارعان".

منذ وصول أردوغان وقادة حزبه إلى الحكم عام 2002، تغيرت تركيا وتبدلت من حال إلى حال، والأرقام والنتائج والإحصائيات حول إنجازات العدالة والتنمية تبين ذلك ومنها:

ـ وصول تركيا اقتصاديًّا إلى المرتبة الـ17 عالميًّا، وإلى المرتبة الـ6 أوروبيًّا، بعدما كانت في المرتبة 117 عالميا، وارتفاع نسبة دخل الفرد الواحد من 3300 دولار إلى 10800 دولار و قيمة الصادرات التركية من 36 مليار دولار إلى 158 مليار دولار، والناتج القومي الإجمالي من 230 مليار دولار عام 2002 إلى 820 مليار دولار عام 2013، و تراجع نسبة عجز الميزانية للدخل القومي من 16% إلى أقل من 2%. 

مع بناء أكثر من 5500 منشأة فيها مدارس ومساجد ومستشفيات وملاعب ومؤسسات حكومية واجتماعية متنوعة، وارتفاع عدد الجامعات الحكومية التركية من 80 إلى 180، وإنشاء عشرات القطارات السريعة وآلاف الكيلومترات من السكك الحديدية، و17ألف كلم من الطرق المزدوجة وأكثر من 30 مطارًا في مختلف المناطق التركية.  

وتاج هذه المشاريع هو الثلاثي الأكبر والذي سيجعل إسطنبول مركز العالم، وهي إنجاز مشروع "قطار مرمراي" وبناء أكبر جسر و أكبر مطار في العالم.

أما على المستوى السياسي فنجاح الحزب في 12 استحقاق انتخابي نزيه بشهادة المنظمات الدولية وقبلها أحزاب المعارضة التركية، مع مساعدة الجيش التركي على ترك العمل السياسي والاهتمام بوظيفته الأساسية وهي حماية تركيا وتطوير قدراته العسكرية والبشرية وتصنيع سلاحه.

أما في المجال الحقوقي والاجتماعي، فقد عرفت تركيا تقدما بارزا في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة وفصل السلطات وإصلاح القضاء والقوانين بأنواعها، ورفع من مستوى المعيشة عند الأتراك، ورفع من جودة الخدمات وإتاحتها للمواطن وخصوصا الطبقات الفقيرة والمناطق النائية.  

2- هل يمكن اعتبار سياسة تركيا الخارجية ناجحة وفاعلة؟

لقد نجحت السياسة الخارجية التركية في أغلب الملفات التي قامت حكومة العدالة والتنمية بإدارتها في فترة حكمها، هذه السياسة وضعت تركيا في موقعها الذي تستحقه بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل وصول أردوغان وحزبه إلى الحكم، حيث  كانت الخارجية التركية صوت الغرب في الشرق الأوسط في أفضل الأحوال، وعرف دور تركيا آنذاك تراجعًا كبيرًا في التأثير في الشرق الأوسط، قال داود أوغلو خلال استعراضه برنامج الحكومة الجديدة أمام البرلمان الشهر الماضي: "إن حكومات حزب العدالة والتنمية وضعت السياسة الخارجية في مسار "المدافع عن الحق"، وسجلت بذلك نجاحًا كبيرًا مقارنة مع الحكومات السابقة في تاريخ تركيا الحديث".

وكما قال داود أوغلو إن تركيا في حلقة النار، وبالتالي فتركيا تسعى للحفاظ على مصالحها بالمنطقة ضمن هذه الظروف الإقليمية الصعبة، ومع طموحات إيران وروسيا للسيطرة على المنطقة، لا شك أن تركيا ستدخل في تصادم مع هذه الدول لتعارض مشروع تركيا مع مشاريع هذه الدول مما يعني تعليق تصفير المشاكل في هذه الحالة مؤقتا.

فنظرية "تصفير المشاكل " الذي ادعى كثير من الإعلاميين والمحللين أنها فشلت في تحقيق أهدافها، ما زالت قائمة صحيحة إذا توفرت الظروف الملائمة لنجاحها، وإذا رغبت الأطراف الأخرى في تحقيق الهدف نفسه، وإلا فإن تركيا لن تفرط في مصالحها ودورها الإقليمي وطموحها الدولي في القيام بدور هام في الملفات الدولية حسب رؤية "تركيا الجديدة 2023" والتي تسعى لوضع تركيا في مصاف الدول المتقدمة والفاعلة.

3- هل صحيح أن تركيا محطة سهلة لعبور الإرهابيين والتحاقهم بداعش؟

قبل وصول الإرهابيين إلى تركيا نسأل كيف تسلل هؤلاء الإرهابيون من بلدانهم الأصلية إلى تركيا؟

هذا هو السؤال الواقعي الذي يجب طرحه في هذه المسألة، فإن كانت بلدانهم لا تعلم أنهم "مشروع إرهاب" وهم مواطنوها فكيف تعلم تركيا بذلك، وهي بلد سياحي يستقبل ملايين السياح سنويا، فهل هي ملزمة بالتحقيق مع كل سائح، هل دخل لتركيا سياحة أو من أجل الانضمام إلى داعش، فهذا مما يصعب ضبطه، هذا إن سلمنا أن بلدان الإرهابيين لم تتساهل في خروجهم  من أجل التخلص منهم.

صحيح أن تركيا تملك حدودًا طويلة مع سوريا، كما أنها فتحت حدودها أمام اللاجئين السوريين كواجب أخلاقي وإنساني وديني لحمايتهم من همجية وسادية بشار ونظامه وفرق الموت التي يسيرها حلفائه والتي انضم إليها بوتين وجيشه، هذا قد يعطي الفرصة للإرهابيين للتسلل عبر الحدود التركية، ولكن الجيش التركي يعمل جاهدا على ضبط حدوده ومنع المتسللين من الوصول إلى أهدافهم، فالإعلام التركي دائما ينشر قصص إلقاء الجيش التركي القبض على إرهابيين حاولوا التسلل إلى داعش وإرسالهم إلى بلدانهم.

4- ما مدى تأثر كل من الاقتصاد الروسي والتركي جراء الأزمة التي بينهما؟

أولا تركيا بإسقاطها الطائرة الحربية الروسية قد مارست حقها وقامت بواجبها في الدفاع عن مجالها الجوي وحماية حدودها ضد أي اختراق أو عدوان، بعد تحذير الروس بعد عدة اختراقات للطائرات الروسية للمجال الجوي التركي واحتجاج تركيا على ذلك.

دخلت روسيا في عدة صراعات مع الغرب ابتداء من صيف 2008 في جورجيا ثم احتلال القرم والمشاكل مع أوكرانيا ثم تدخلها العسكري في سوريا دعما للأسد وحربا على الثورة السورية والثوار بذريعة محاربة داعش، هذا جعل روسيا تتعرض لعدة عقوبات اقتصادية ومالية أثرت على اقتصادها، وازدادت هذه المشاكل بالانخفاض الكبير في أسعار النفط والغاز، وتركيا هي البلد الوحيد الذي رفض طلب الغرب برفض عقوبات اقتصادية على روسيا، وكانت متنفسًا اقتصاديًا وماليًا لروسيا، وهي كذلك المستورد الثاني للغاز الروسي بنسبة 55%، كما أن حجم التبادل التجاري بينهما وصل عام 2014 إلى ما يقارب 32 مليار دولار، ويميل الميزان التجاري فيه لصالح روسيا، إذن العقوبات الاقتصادية الناتجة عن قطع العلاقات بين البلدين ستتسبب بخسارة لكلا البلدين، ولكن بشكل أكبر لروسيا والتي تعاني من الركود الاقتصادي وفقدان الروبل الروسي قيمة بمقدار 4% منذ إسقاط الطائرة الحربية الروسية، كما أن بعض الوكالات الدولية للتصنيف الائتماني نشرت تقارير فيها نظرة سلبية لقطاع الطاقة الروسي لعام 2016، مع انخفاض أسعار النفط وقلة الطلب عليه.

أما تركيا فقد يتضرر بها قطاع المنسوجات والمنتجات المعدنية وانخفاض تصدير بعض أنواع الخضار والفواكه، وتوقف بعض الاستثمارات الروسية بتركيا وتعثر الاستثمارات التركية بروسيا، وانخفاض عدد السياح الروس والذي يفوق عددهم أكثر من 4 ملايين سائح، بالإضافة إلى تراجع شراء الروس للعقار التركي، حيث يعتبر الروس كأكبر الجنسيات تملك عقار خاصا بتركيا.

5- هل يمكن أن تستعمل روسيا سلاح الطاقة وخصوصا الغاز الطبيعي ضد تركيا؟

لا أشك أن روسيا تستعمل سلا ح الغار ضد تركيا وقد بدأت بالتهديد بذلك، طبعا تركيا لن تعتمد على الالتزامات والضمانات الموجودة في الاتفاقات الموقعة بينها وبين روسيا في حال ثم انتهاك الاتفاقية، والتي يترتب عنها تعويضات كبيرة في حق من انتهك هذه الاتفاقيات.

لذا قام رئيس الوزراء التركي "أحمد داود أوغلو" بزيارة للجارة أذربيجان والاتفاق مع رئيسها "إلهام علييف" على تسريع إجراءات المشروع الطاقي بين تركيا وأذربيجان (TANAP) ، الذي سيحمل الغاز الطبيعي الأذري إلى تركيا ثم من تركيا إلى أوروبا بداية من عام 2018، حيث تم الاتفاق على تنفيذ المشروع قبل هذا التاريخ.

كما وقعت شركة "بوتاش" التركية المختصة في نقل البترول وشركة "النفط الوطنية القطرية" مذكرة تفاهم أولية لاستيراد تركيا الغاز الطبيعي المسال القطري على المدى الطويل، وبالتالي فتركيا بالغاز القطري وحده ستحصل على مصدر بديل للغاز الروسي بل وتأمين حاجيات تركيا للغاز الطبيعي المسال على المدى المتوسط والبعيد بشكل منتظم حسب رأي خبراء الطاقة.

بالإضافة إلى ما تستورده تركيا من تركمانستان ونيجيريا والجزائر وإقليم كردستان العراق وماليزيا وأندونسيا، وهذه الدول كلها عبرت عن استعدادها لزيادة الكمية الغاز التي تحتاجها تركيا، وطبعا الخاسر في وجود هذه البدائل هي روسيا، وتركيا بهذا تحاول عدم تكرار خطأ أوروبا في الاعتماد الكلي على الغاز الروسي.

6- ما حقيقة الأزمة بين حكومة العراقية برئاسة العبادي وتركيا ؟

الأزمة العراقية التركية الحالية لا تخرج عن إطار الأزمة التركية الروسية ومن الصراع الغربي الروسي والذي يحاول السيطرة على مصادر الطاقة في شرق المتوسط، وإعادة تقسيم المنطقة أي "سايكس- بيكو في نسخة ثانية"، وكما نعلم أن بعد الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق عام 2003 أصبح العراق الحديقة الخلفية لإيران وزاد النفوذ الإيراني بعد خروج القوات الأمريكية عام 2011، والسيادة العراقية أصبحت قصة من الماضي حينما احتلت داعش ثلث العراق، وأعلنته جزءًا من دولتها وولاية من ولاياتها، بالإضافة إلى آلاف من الحجاج الإيرانيين الذي دخلوا الأراضي العراقية بدون تأشيرة ضاربين السيادة العراقية عرض الحائط، وقبل هذا احتلال حزب العمال الكردستاني الإرهابي لجبال قنديل العراقية لسنوات، وجعلها منطلقًا لهجماته الإرهابية ضد تركيا والجنود الأتراك.

أما بخصوص دخول قوات تركية إلى الموصل، فبعد 36 ساعة وضجة إعلامية كبيرة خرج العبادي قائد القوات المسلحة يستنكر دخول قوات تركية مكونة من مستشارين ومدربين عسكريين لتدريب القوات الكردية التابعة لإقليم كردستان العراق.

أكد بعدها الجيش التركي في بيان  نقلته وكالة الأناضول التركية: "أنه نشر ما يقارب 150 جنديا تركيا في شمال العراق لاستبدال وحدة كانت متواجدة منذ أكثر من سنتين، وأن القوات التي تم إرسالها برا إلى مدينة بعشيقة في الموصل، مهمتها تدريبية وليست قتالية".

كما أكد القادة الأتراك أن الجنود المتواجدين في الموصل كان قد تم إرسالهم قبل عامين ونصف لغرض تدريب قوات البيشمركة، بطلب من حيدر العبادي نفسه وإقليم كردستان العراق، لكن الحكومية العراقية نفت علمها بهذا الأمر، واعتبرت دخول القوات التركية بدون إذنها انتهاكًا لسيادتها.

لا يخفى أن إيران وروسيا ضغطا على حكومة العبادي من أجل إحراج تركيا، والدليل تخبط الموقف العراقي الرسمي وتدخل روسيا على الخط من أجل نقل الأزمة إلى مجلس الأمن الدولي.

عن الكاتب

مولاي علي الأمغاري

باحث في قضايا العالم العربي والإسلامي ومتخصص في الحركات الإسلامية وقضايا الإرهاب، ومهتم بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس