د. أحمد البرعي - خاص ترك برس

"ماذا يعني لك الشرف؟ إذا أردت أن تجلس على كرسي الرئاسة فلا بد وأن تُحاسب على حياديتك السياسية، فإما أن تكون رجلًا بمعنى الكلمة وتحافظ على تلك الحيادية فنُكن لك الاحترام والتقدير، وإما أن لا تحافظ عليها فأُكون مجبرًا في كل يوم، وكل دقيقة، وكل ثانية على أن أذكرك بمعنى ومفهوم الشرف. أسألك مرة أخرى، ما الذي تعرفه عن الشرف؟ لماذا أقسمت بشرفك اليمين الدستوري في حضرة الشعب والأمة التركية أن تحافظ على الحيادية؟ أود أن أعرف بالضبط أين هو شرفك؟ وأين هي حياديتك؟".

كانت هذه هي الكلمات التي أبى "كمال كلتشدار أوغلو" رئيس حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي التركي إلا أن يكررها على مسمع من أبناء حزبه منتقدًا فيها "الطيب أردوغان" على عدم حياديته وتدخله في كل صغيرة وكبيرة في الشأن السياسي التركي، وهو ما يخالف بنود الدستور التركي الذي ينص على أن رئيس الجمهورية ينبغي أن يقف مسافة واحدة من جميع ألوان الطيف السياسي التركي.

أعاد "كلتشدار أوغلو" انتقاداته تلك نصًا وقصدًا بعد أن فتح المدعي العام التركي دعوى قضائية بحقه متهمًا إياه بإهانة وتحقير مقام وشخص رئيس الجمهورية التركية "رجب طيب أردوغان" فما كان من "كلتشدار أوغلو" إلا أن رد باحتقار وتحقير لشخص المدعي العام قائلًا: "إن المدعي العام الذي أضحى عبدًا واقفًا على أبواب سرايا الرئاسة لا يحق له أن يرفع الدعاوى بحق الأحرار".  

وأضاف قائلًا: "ما هذا الرئيس الذي يرفع أكثر من 1300 دعوى قضائية بحق أبناء شعبه في السنة والنصف الأولى من فترة حكمه؟! "لقد غضب مني هذه المرة ليس لأنني وصفته بالديكتاتور ولكني لأنني وصفته بـ "مشروع الديكتاتور" (diktatör bozuntusu)".

ما هذا الديكتاتور الذي يؤمن بالقضاء ويحتكم إليه؟!!! ما هذا الديكتاتور الذي يخسر بعضًا من القضايا التي يرفعها بحق خصومه، وإن كسب فلا يأخذ أموال التعويضات!، بل يوزعها على الفقراء والمساكين، كما يصرح بذلك في خطاباته ولقاءاته؟!.

كان الطيب أردوغان ولا زال الهدف الأول والأخير لزعماء المعارضة التركية، تُوجه سهام انتقاداتهم وسخريتهم إلى شخصه ويُتهم بأبشع الصفات كالسرقة والفساد والإسراف والمحسوبية والديكتاتورية والتسلط وعدم الأهلية ليكون مختارًا فضلًا عن رئيس دولة، لا تتورع ألسنة وصحف وقنوات المعارضة عن نعته بأقذع الصفات التي تمس شخص وشرف الإنسان.

ومع ذلك فهذا، من وجهة نظر بروفيسور العلوم السياسية في جامعة سابنجي التركية "إرسين كاليجي أوغلو"، هو جوهر الديمقراطية، إذ يحق لأحزاب المعارضة وصحفها أن توجه كافة أنواع الانتقادات لشخص رئيس الجمهورية، ولا يحق له في المقابل أن يرفع عليهم الدعاوى إن كان حقًا يؤمن بحرية الرأي ويعد نفسه رئيسًا لإحدى الدول الديمقراطية الحقيقية، على حد زعم "كاليجي أوغلو".

كيف ولماذا ينتقد الرئيس التركي "الطيب أردوغان" تلك المجموعة من الأكاديميين والجامعيين الذين أصدروا وثيقة تتهم الحكومة وتُحمّلها مسؤولية ارتكاب مجازر بحق الأكراد في الجنوب التركي، بينما لم تتعرض تلك الوثيقة من قريب أو بعيد لما تقوم بها الجماعة الانفصالية من حزب العمال الكردستاني.

بهذا الانتقاد يكون الرئيس التركي، قد أخل بالدستور وانتهك بنوده ولم يحافظ على حياديته التي ألزمه بها الدستور، ولذا اضحى من وجهة نظر المعارضة التركية "مشروع ديكتاتور" ويجب أن يوقف عند حده.

"إن لم تكن لدى القضاة وفقهاء الدستور الجسارة والجرأة لأن يقولوا للظالم الديكتاتور كفى، فمن سيقوم بذلك؟ أنا الذي لا أخاف من الله أنوب عنهم في ذلك"، كانت تلك زلة لسان من "كلتشدار أوغلو" تذكرنا بزلات لسان الانقلابيين، فالطيور على أشكالها تقع. وكما قالت العرب "زلة اللسان أشد من جرح السنان".

في الوقت الذي يتهم فيه "كلتشدار أوغلو" "الطيب أردوغان" بأنه ديكتاتور يدافع عن برلمان الانقلابيين في مصر، فمن جهة أخذ على الحكومة سماحها بانعقاد البرلمان المصري الشرعي في إسطنبول بالتوازي مع انعقاد ذلك البرلمان الأضحوكة في القاهرة، ومن جهة أخرى أخذ على القنوات الرسمية التركية وصفها برلمان الانقلاب باللاشرعي واتهمها بتبني رؤية الديكتاتور "طيب أردوغان"!

وقف أيضًا في صف الانقلابيين عندما حاول الرد على هجوم شبيبة العدالة والتنمية التي اتهمته بالقول إن "الديكتاتور" الطيب أردوغان قد فاز بتسع استحقاقات انتخابية و52% من أصوات الناخب التركي، بينما "الديمقراطي الحداثي" "كلتشدار أوغلو" قد خسر في سبع استحقاقات انتخابية ولا يزال متمسكًا بكرسي رئاسة الحزب، بل وفي مؤتمر الحزب الخامس والثلاثين الذي عقد قبل يومين لم يُرشح أحد نفسه منافسًا لـ"كلتشدار أوغلو" على رئاسة الحزب.

فرد "الزعيم الديمقراطي" قائلًا: "إن كنعان إيفرين قد فاز بأصوات 92% من أصوات الناخبين الأتراك وكنتم تصفونه بالديكتاتور"، المفارقة هي أن "إيفرين" كان قائد انقلاب العسكر التركي عام 1980 وقد نصّب نفسه رئيسًا بانتخابات شكلية كتلك التي تحدث عقب الانقلابات التي نعرفها جيدًا.

كان "إيفرين" هو من وضع الدستور التركي عام 1982 وهو ذات الدستور الذي يرغب "الديكتاتور" أردوغان بتغييره لدستور حقيقي روحًا ومضمونًا يحمل تركيا ديمقراطيًا لتصبح دولة حريات حقيقية.

الغريب أن الدستور الذي يرغب فيه "الديكتاتور" اردوغان بنظامه الرئاسي البديل عن النظام البرلماني الحالي لنظام الحكم في تركيا، يفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، ويمنح السلطات الرقابة المتبادلة على بعضها البعض، ويحق للسلطات القضائية محاكمة الرئيس التركي في حال مخالفته لأي من القوانين في حين أنه وحسب دستور الانقلاب العسكري 1982 لا يحق للدولة محاكمة رئيس الجمهورية إلا في حالة الخيانة العظمى، ويعطي الرئيس صلاحيات مطلقة في العديد من القضايا، بمعنى آخر هو قانون يصنع ديكتاتورات حقيقية، ومع ذلك ترى المعارضة تقف حجر عثرة أمام تغييره فقط كرهًا في شخص "الطيب أردوغان" وتعذرًا بأنه يريد أن يصنع من نفسه سلطانًا عثمانيًا وديكتاتورًا متسلطًا.

لا تبحثوا كثيرًا في دفاتر التاريخ لتعرفوا كيف يكون الديكتاتور فحاضرنا مليء بهم، انظر إلى ذلك الذي يفوز بـ99% من أصوات شعبه ويحرقهم ويهجرهم ويتركهم لأمواج البحر وبراميل الموت، بل ويستجلب الروس لتحافظ له على كرسي عرشه المتربع على جماجم أطفال شعبه. يا من تريدون أن تروا الديكتاتوريين لا تبحثوا في صفحات الإنترنت عما فعله موسيليني أو هتلر فعندكم ما يغنيكم عن ذلك، ذاكم فرعون مصر الذي يقول: "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

إن الديكتاتور لا يؤمن بالانتخابات ولا يؤمن بالقضاء المستقل، إنما يعشق القتل والدمار والحرق والخراب وهو ما تحسنه ديكتاتورات دولنا العربية التي أحالت بلادنا خرابًا وعاثت فيها فسادًا وقتلًا وتدميرًا. ولو كان "أردوغان" مثلهم لأحال الجنوب التركي إلى مقبرة وخرابة كحلب الشهباء التي أحرقها نيرون العصر.

عن الكاتب

د.أحمد البرعي

باحث ومحاضر في قسم الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة أيدن


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس