محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

دأبت أمريكا منذ بداية الأزمة السورية ولهذا اليوم على التلاعب بالألفاظ حول موقفها من بقاء أو استمرار أو إدانة أواستبعاد أو تنحي أو محاكمة الرئيس السوري بشار الأسد، رغم كل المجازر التي ارتكبت إضافة إلى استعماله الأسلحة المحرمة دوليا في التصدي للمعارضة السورية.

إن السياسة التي اتبعت من قبل الإدارة الأمريكية ومن الرئيس أوباما تحديدا كانت أشبه بسلوك (اللامنتمي) الذي أطلقه عالم الاجتماع الإنكليزي كولن ولسن، ورغم أن هذا السلوك قد فسر ضد إدارة الرئيس أوباما في سياسته تجاه سوريا حول تركه الساحة السورية للإيرانيين ومن بعدهم الروس، لكن الأمر في حقيقته غير ذلك.

إن السياسة التي مارستها إدارة الرئيس أوباما في أوج حالات الاستنكار وهي سياسة مسك العصا من المنتصف مع صيغة اللامبالاة أو اللامنتمي التي ذكرناها، كانت من أكبر المصائد التي نصبت للإيرانيين وللروس من بعدهم كأكبر فريسة تغادر جحرها منذ أحداث البوسنة والهرسك.

وقبل الخوض في الأزمة السورية ولاستيبان كلامنا في هذا الجانب يجب أن نذكر أولا أن إدارة أوباما المتحلية بهذا الرداء استطاعت أن تورد ضعف ما أورده الرئيس جورج بوش الابن المتهم بأنه أكثر الرؤساء الأمريكان حروبا.

في سوريا وفي ظل الأوضاع التي نتجت عن التدخلات الخارجية ومنها تدخل إيران الراغب بحماية النظام المؤازر لتوجهاتها الطائفية في سوريا وفي لبنان، أضحت هذه القيادة المتدخلة في الشؤون السورية بين مطرقة العقوبات الأمريكية وسندان طموحاتها، ورغم اللامبالاة من هذه القيادة بالأوضاع التي كانت تعيشها الشعوب الإيرانية ورغم الوضع الاقتصادي المتردي الذي كان على وشك أن يدخل في كارثة اقتصادية حقيقية - استمرت في دعم توجهها بعدما شعرت بأن الولايات المتحدة الأمريكية غير مكترثة بالقضية السورية وتغض النظر عن كثير من الممارسات التي تقوم بها المليشيات الإيرانية وميليشيات حزب الله إلى جانب القوات السورية والشبيحة.

وأتت الاتفاقية الأمريكية الغربية مع إيران حول مفاعلاتها النووية والإصرار الأمريكي على رفع العقوبات عن إيران، وبعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ وما رافق ذلك من تفاهمات وربما اتفاقيات سرية زادت من إصرار إيران على تدخلاتها في الشؤون السورية بل وتوسعتها إلى تدخلات في دول أخرى لم تكن هي في غنى عن إقامة علاقات طبيعية معها وكل هذا بسبب اللامبالاة التي اتبعتها أمريكا والتي فهمت من الجانب الإيراني بأنه ضوء أخضر لها، ورغم قرار رفع العقوبات عن إيران إلا أن من أهم بنود الاتفاقية إطلاق الأرصدة الإيرانية المجمدة إلا أنها لم تفعل وتحولت هذه الأرصدة من الحماية الدولية إلى تصرفات دهاليز المحاكم الأمريكية لتشترط من جديد حجز جزء من الأموال المحجوزة تباعا لينتهي الأمر بالقيادة الإيرانية أن تتصرف بما يشاء الحاكم الأمريكي، والأبعد من ذلك أن القيادة الإيرانية باتت تتوجس خيفة من مزيد من العقوبات الفردية الأمريكية سواء من المحاكم الأمريكية أو من إدارة الرئيس أوباما.

ومما زاد من انجراف الإيرانيين إلى مساومة ومهادنة الأمريكان هو هبوط أسعار النفط بصورة كبيرة إبان رفع العقوبات الاقتصادية عنها والذي بات يزيد من العجز الحاصل في الميزانية لأن من المعروف أن إيران تعتمد على الواردات النفطية بنسبة 50% من وارداتها المالية كما أن سعر إنتاج البرميل الواحد في إيران يكلف 12/6 دولار وهذا هو ثلث القيمة لكل برميل.

إن إيران والتي لم نعرف كيف اقتنعت بأن الصمت الأمريكي ضوء أخضر لها في سوريا وليست مصيدة نصبت لها، هذا الصمت الذي اقتنع به الرئيس العراقي صدام حسين وأودى بحياته بعدئذ مثلما أودى بحياة بلد اسمه العراق، ولكن رغم هذا فإن إيران أرادت ولمرتين متتاليتين أن تنسحب من الفخ السوري في الأول عندما أرادت من روسيا أن تتورط معها في هذا المستنقع وفي المرة الثانية بعد دخول الروس كطرف في الصراع وبروز الخلافات بين قيادتي البلدين حيث تركت الساحة للروس لإدارة المعارك في وقت من الأوقات.

لكن التصرف الإيراني غير المسؤول في علاقاتها مع جيرانها والذي أدى إلى عزلتها بعد قطع السعودية وبعض الدول العربية أدى بها إلى الاحتماء من جديد بالركن الأمريكي لتعلن سقوطها المدوي في حبائل الأمريكان.

إن إيران الآن تنفذ ما هو مطلوب منها من قبل الأمريكان وحتى من الروس وهي الآن ليس باستطاعتها أن تخرج من هذا المستنقع، ومحاولاتها مع تركيا في سبيل إيجاد حل للمسألة السورية تكون معبرا لخروجها من هذا المستنقع قد فات أوانها.

أما الكلام عن التدخل الروسي وتورطه هو الآخر في المستنقع السوري فنتركه لوقت آخر لكننا نختصر شيئا يخص الروس والإيرانيين وهو أن الروس أيضا أرادوا الإفلات من الفخ المنصوب لهم في سوريا بعدما شعروا بأن القنفذ الأمريكي تكور على أجسامهم فاتجهوا إلى تحويل الحرب ضد تركيا وضد المعارضة السورية المدعومة من تركيا والبلاد العربية بعد إسقاط طائرتهم بعلم حلف شمال الأطلسي ووصول الطائرات الحليفة إلى قاعدة إنجرليك التركية، لكن الإدارة الأمريكية أرادت بقاء روسيا عنوة لسبب مجهول ربما لا نعرفه من خلال إشراك الروس في تقديم صيغ لبدء المفاوضات بين الحكومة والمعارضة وكذلك في استمالتهم عند الحديث عن مصير الأسد.

وباختصار شديد فإن الخاسر هو الشعب السوري بالتأكيد بكل معانيه لكن الخاسر الثاني هي إيران ومعها روسيا التي ستخسر كل أصدقائها بعد حل المسألة السورية، أما الرابح الأكبر فهي أمريكا التي ستصور للرأي العام في النهاية بأنها هي من أنقذ الشعب السوري من محنته، بل وربما ستبني سفارة كبيرة لها في دمشق  بقدر سفارتها في العراق... بعد أن يكون الكل  موافقين على صيغة الحل الأمريكي.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس