محمود عثمان - خاص ترك برس

في مرحلة بالغة الخطورة والحساسية أقر البرلمان التركي يوم الجمعة الماضي 20/5/2016 قانون إسقاط الحصانة عن النواب ، وذلك بعد مناقشات دامت أكثر من ثلاثة أشهر , ارتفعت فيها حدة التوتر إلى حد العراك والتشابك بالأيدي بين نواب الحزب الحاكم من جهة , ونواب حزب الشعوب الديمقراطي من جهة أخرى .

من الجدير بالذكر أن إقرار مشروع القانون يحتاج أغلبية ثلثي مقاعد البرلمان البالغ 550 مقعداً , بواقع 367 صوتاً .. وفي حال بلغت الأصوات أقل من 330 صوتا فإن مشروع القرار يسقط , أما إذا حصل على أصوات أكثر من 330 وأقل من 367 فيعرض على الاستفتاء الشعبي بموافقة رئيس الجمهورية .

وسواء حصل مشروع القانون على أصوات تفوق 367 أو تنقص عنها , يبقى من صلاحيات رئيس الجمهورية أن يحوله للاستفتاء الشعبي , أو يعيده للبرلمان لمناقشته مرة أخرى.

الاصطفاف السياسي قبيل التصويت على مشروع القانون :

حزب العدالة والتنمية يملك 316 صوتا , هو صاحب مشروع القانون , وبالتالي من الطبيعي أن يتبناه ويدافع عنه حتى النهاية .

حزب الحركة القومي يملك 40 صوتا , كان موقفه واضحا منذ البداية , فقد أعلن عن تأييده التام لمشروع القانون , بل اعتبره متأخرا.

حزب الشعوب الديمقراطي يملك 59 صوتاً , وهو المستهدف الرئيسي من القانون , بتهمة دعمه الصريح لأعمال حزب العمال الكردستاني الإرهابية  , واتهامه الدولة التركية بممارسة قتل المدنيين , ولذلك كان من الطبيعي أن يقف ضد مشروع القانون بشراسة .

الأحزاب الثلاثة المذكورة أعلاه مواقفها كانت واضحة صريحة ومعلنة منذ البداية .. بقي الحزب الرابع الممثل في البرلمان وأكبر أحزاب المعارضة , حزب الشعب الجمهوري الذي ظل موقفه ضبابيا غامضاً !.

أسباب تذبذب مواقف حزب الشعب الجمهوري حيال قانون رفع الحصانة :

1- رفع الحصانة عن نواب البرلمان سلاح , حرص حزب الشعب الجمهوري على إشهاره بوجه حزب العدالة والتنمية الحاكم باستمرار طيلة السنوات الأولى من استلام الأخير مقاليد السلطة في تركيا . حيث كانت مؤسسات الدولة , وخصوصا القضاء مسيساً إلى حد كبير لصالح "النظام المؤسس" أو "الستاتيكو" الذي يعتبر حزب الشعب الجمهوري صاحب الملكية المطلقة للجمهورية التركية .

2- إعلان رئيس الحزب كيليجدار أوغلو بأن حزبه سوف يصوت لصالح قانون رفع الحصانة عن النواب .

3- تصريحات قيادة الحزب بأن ليس لديهم ما يخافونه , وأنهم سوف يصوتون لصالح قانون رفع الحصانة عن النواب , بالرغم من وصفهم له بغير الدستوري !.

4- ضغوط من قوى داخلية مورست على الحزب لكي يمنع مرور القانون . ويذكر في هذا السياق جماعة فتح الله كولن (الكيان الموازي) .

5- ضغوط خارجية أوربية تحديداً مورست على حزب الشعب الجمهوري , لكي يمنع مرور القانون , لأن مروره سوف يشكل ضربة قاصمة لحزب العمال الكردستاني المدعوم أوربياً , وقد رأينا كيف كانت ردة فعل الاتحاد الأوربي السلبية بعد أن تم إقراره.

6- إن لم يصوت حزب الشعب الجمهوري لصالح القانون فهذا يعني أنه يقف في خندق واحد مع حزب الشعوب الديمقراطي ذي العلاقة الصريحة مع حزب العمال الكردستاني.

7- في حالة تم تحويل مشروع القانون للاستفتاء الشعبي , فلن يكون لدى حزب الشعب الجمهوري ما يقوله للشعب , لأن المستهدف من القانون هم نواب حزب الشعوب الديمقراطي , ومن المرجح أن يقوم مؤيدو الحزب بالتصويت لصالح القانون , وهذا ما أشارت إليه جميع استطلاعات الرأي .

8- تذكر كواليس البرلمان أن كيليجدار أوغلو عانى من صعوبات جمة في إقناع عشرين نائبا فقط من أجل التصويت لصالح القانون .

انعكاسات إقرار قانون رفع الحصانة على مستقبل القضية الكردية :

كما هو معلوم فقد علقت آمال كبيرة على مشروع المصالحة الوطنية الذي أطلقه رجب طيب أردوغان عندما كان رئيساً للوزراء , ولا أحد ينسى خطابه الذي وصف بالتاريخي في مدينة دياربكر .. ما دفع البرلمانية السابقة ليلى ظنا أحد أقطاب الحركة الكردية للتصريح بالقول " هناك فرصة تاريخية لحل الأزمة الكردية , والشخص الوحيد المؤهل لحلها هو رجب طيب أردوغان , وليس أحداً سواه "..

من طرفها قامت حكومة العدالة والتنمية بخطوات هامة في مجال حل المسألة الكردية , فقد أقر البرلمان سلسة من القوانين التي تسمح بهامش واسع من الحريات , شملت التعليم باللغة الأم , وافتتاح المدارس والمعاهد والجامعات , والسماح لوسائل الإعلام الخاصة المكتوبة والمسموعة والمرئية , بل إن تلفزيون الدولة الرسمي خصص قناة خاصة باللغة الكردية , بجميع لهجاتها .

أشواط كبيرة قطعت, وخطوات لا يستهان بها تحققت على طريق المصالحة الوطنية، أو بتعبير آخر حل المسألة الكردية .. لكن بعد احتدام الصراع في سورية والعراق , وتحول المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي ودولي , قلب حزب العمال الكردستاني ظهر المجن , حيث بدأ يتملص من استحقاقات المرحلة , ولم يطبق ما تم الاتفاق عليه مع الدولة التركية بسحب عناصره من تركيا , وعوضا عن ذلك فقد أدخل أكثر من ثمانين ألف قطعة سلاح إلى مناطق نفوذه , وقامت بلديات حزب الشعوب الديمقراطي بحفر الخنادق وإقامة المتاريس , وتم تهيئة عدة مدن لإعلانها كنتونات مستقلة على غرار ما فعل حرب الاتحاد الديمقراطي فرعهم في سورية !.

إيران تقلب المعادلة :

تعلم إيران جيداً أن الأكراد يشكلون أحد أهم اللاعبين في المنطقة , فعقدت سلسلة اجتماعات مطولة مع قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي  PYD  , وحزب العمال الكردستاني ,وقدمت لهم من المغريات ما جعلهم يتنكرون لجميع التزاماتهم السابقة مع تركيا , ثم تدخلت في حسم المعادلة في جبل قنديل مقر الجناح العسكري للحزب المتطرف PKK ,لصالح جمال بايق العلوي على حساب عثمان قره يلان السني , والأهم من ذلك أنها أجرت عملية استبعاد "باي باص" لعبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني والقائد التاريخي للحركة الكردية ,الذي دعم بإخلاص عملية المصالحة مع الدولة التركية .

إضافة للدور الإيراني فقد أدى اعتماد إدارة الرئيس أوباما حزب الاتحاد الديمقراطي  PYDالمقاول الوحيد في عملية الحرب على تنظيم داعش , والدعم الأوربي المستمر لحزب العمال الكردستاني , عوامل دفعت حزب العمال الكردستاني وممثله السياسي حزب الشعوب الديمقراطي إلى التشدد , بقلب طاولة الحوار , وإدارة الظهر للمفاوضات والحل السلمي , والتوجه نحو التصعيد السياسي والعسكري , على اعتبار أن ما يحدث في المنطقة فرصة تاريخية لإقامة الدولة الكردية لن تتكرر مرة أخرى.

خيارات الدولة التركية في المرحلة المقبلة :

واضح أن الرئيس رجب طيب أردوغان , وحكومة حزب العدالة والتنمية مصممان على المضي حتى النهاية في الحرب على إرهاب حزب العمال الكردستاني بشقيه :

- الشق العسكري : حيث كبدت قوات الأمن التركية مقاتلي  PKKخسائر فادحة لم يعهدها من قبل. خصوصاً بعد أن بدأت القوات المسلحة التركية تعتمد على تصنيعها العسكري الذاتي.

- الشق السياسي : برفع الغطاء الدستوري عن نواب حزب الشعوب الديمقراطي , الذين ما فتئوا يتحدون الدولة , ويشجعون الإرهاب علنا , ويشيدون بالعمليات الإرهابية التي ينفذها PKK حتى لو كانت ضد المدنيين !.

هناك دعم شعبي كبير لقانون إلغاء الحصانة عن النواب بلغت نسبته 80% حسبما ذكرت بعض مؤسسات استطلاع الرأي .. هذا الدعم الشعبي غير المسبوق يدفع الرئيس أردوغان نحو تعزيز جبهته الداخلية , كما يطلق يده في المضي قدما في خطوات إقرار النظام الرئاسي الذي يراه صمام أمام لاستقرار تركيا.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب سياسي مختص بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس