محمد عمر زيدان - خاص ترك برس

شهدت الساحة التركية في الأيام القليلة الماضية  مشاعر متضاربة من الألم والحزن والخوف والفرح والسعادة  وكان مرد كل هذا إلى مساء يوم الجمعة 15 تموز/ يوليو 2016 عندما قام حفنة من العسكر التي سولت لهم أنفسهم المريضة العبث بأمان الشعب التركي وجرفهم حب السلطة وشهوة الحكم الى القيام بانقلاب عسكري مسلح ضد الديمقراطية ورئيسها الشرعي المنتخب جماهيريًا.

وقد كان توقيت هذا العمل الإجرامي مدروسًا بدقة بحيث بدأ في نهاية عطلة الأسبوع طناً من الانقلابين بأن الساحة خالية لهم لتحقيق مآربهم الشخصية من جهة ومبتغى داعميهم من جهة أخرى.

وخيّل لهم أن العبث بإرادة الشعب وحريته أمرًا سهلًا وميسورًا وأن وضع سكين العسكر مجددًا على رقاب الشعوب أمرًا مباحًا ولكن هيهات هيهات الذل  فالشعب التركي الذي ذاق مرارات الانقلابات السابقة وأهوالها وكوارثها وتجرع السم في ظلها من القتل والتدمير والتهجير لن يرضى بها مرة أخرى بعد أن ذاق حياة الحرية والنعيم، ولهذا انتفض الشعب مع الحكومة يدًا بيد لإسقاط هذا المخطط الأحمق وما هي إلا ساعات قليلة حتى أعلن الشعب سيطرته على الموقف وإعادة المرافق العامة والحكومة لممتلكاته وأثبت الشعب أنه الحاكم الفعلي الوحيد وساء مساء الانقلابين.

ولكن لماذا وقع الانقلاب؟ اسئلة مشروعة على مائدة البحث لا بد من الإجابة عليها والحقيقة أن هناك أسباب كثيرة تبارى المحللون بسردها وتبيانها وتتلخص في عاملين داخلي وخارجي.

- أما الداخلي فهو ما صرح به قادة الانقلاب من انحراف حكومة أردوغان عن الجادة الأتتوركية "العلمانية" وهذه الكلمة التي أصبح الكثير من متطرفي الترك يتشدقون بها حتى أصبحت ملازمة لكلمة المقاومة والممانعة التي يتشدق بها متطرفي العرب.

إعادة هيبة العسكر وتحكمه بمفاصل الدولة ومقدراتها والعبث بالحياة السياسية بعد أن قلم السيد أردوغان أظافر الكثير منهم.

- وأما الخارجي فهو استشعار الدول الغربية ولا سيما الدول المتحكمة برقبة القرار الدولي صاحبة الفيتو بمجلس الأمن خطر الدولة التركية ولا سيما بعد إعلان السيد أردوغان أنه لا يمكن لخمس دول أن تتحكم بالعالم.

غيظ الدول الأوربية من الاقتصاد القوي والمتنامي للدولة التركية والدور المحوري الذي تلعبه في حل معظم قضايا العالم ولا سيما في آسيا وأفريقيا.

وقوف الدولة التركية إلى جانب مظلومي العالم ضد العنجهيات الغربية ولا سيما وقوفها إلى جانب الثورة السورية وغزة وبورما و... و... الأمثلة كثيرة.

ولكن ما يهمنا من الأسباب التي سوف نأتي على سردها تباعاً هو التركيز على أمرين غاية في الأهمية الأول شجاعة وثبات السيد أردوغان والثاني إرادة الشعب التركي العظيم. من الأسباب التي أفشلت الانقلاب.

الإيمان العميق للسيد أردوغان بشعبه والأثر الطيب الذي تركه فيهم منذ عام 1994 عندما كان عمدة لمدينة اسطنبول رفض السيد خلوصي أكار رئيس هيئة الأركان بتنفيذ أوامر الانقلابين وقراءة بيانهم على الملأ رفض عدد كبير من قادة الجيوش المشاركة في الانقلاب والإسراع إلى إدانته من جهة ورفض عدد من جنود الانقلابين إطلاق النار على الناس من جهة أخرى الدور البارز للمؤسسة الدينية التي نفذت تعليمات رئيسها بفتح المساجد والتضرع إلى الله  وتلاوة الصلوات والدعاء للحكومة استمرار خدمة الانترنت والتلفزة على الرغم من قصف قمر تركسات بغارة جوية لوجود قمر بديل يعمل تلقائيًا.

التماسك الأسطوري لقوى الأمن الداخلي على الرغم من قصف مقرهم الرئيس تصريح التحدي من رئيس الوزراء بن علي يلدريم ومجموعة من الشخصيات المؤثرة في المجتمع التركي أمثال أحمد داود أغلو وعبد الله غول وقوف المعارضة صف واحد مع الشعب والحكومة كان له الدور الأبرز.

 تفعيل خطة الحماية الشخصية للسيد أردوغان والتي كانت معدة سلفاً لمثل هذه المواقف مما أفشل على الانقلابين فكرة أسره أو اغتياله بعد قصف الفندق الذي غادره فبل وقت قصير.

وهناك أسباب أقل أهمية لا مجال لسردها الآن ولكن ما يهمنا حقيقة التركيز على شجاعة السيد أردوغان وظهوره بعد وقت قصير على مناصريه من خلال الفيس تايم أحد تطبيقات شركة أبل  وطلب من مناصريه الإسراع بالنزول إلى الشوارع واعتلاء ظهور الدبابات ومنعها من التقدم ولم يكذب الشعب التركي خبر وسارع إلى النزول إلى الشوارع وما هي إلا وأقل من ساعة حتى بدأ الشباب بصدورهم العارية يعتلون ظهور الدبابات ومما أدهش العالم وزاد في حماسة مناصري السيد أردوغان هو جسارته على الركوب بطائرة والقدوم إلى مطار أتاتورك بإسطنبول وهو يعلم حقيقة مقدار المخاطرة ولا سيما أن الطائرات الانقلابية في السماء وهي تقصف كل شيء ويمكن في أي لحظة أن يكتشف أمره وتقصف الطائرة التي هو فيها ولكن لله درك من رجل وعندما وصل السيد أردوغان إلى مطار اتاتورك وجد الآلاف  بانتظاره وقد أفسحوا له المجال .وبظهوره بمقابلة من مطار أتاتورك زاد من حماسة مناصريه فأكملوا على ما تبقى من بؤر الانقلابين  هذه الشجاعة التي أبداها أردوغان وتلك الإرادة الفولاذية التي أبداها شعبه من تنفيذ أوامره كانت من أهم الأسباب لسحق هذا التمرد.

وما اختزنته ذاكرتي من صور جميلة لن أنساها ما حييت صورة ذالك الرجل الذي بدأ يصرخ بالناس محفزاً لهم ويذكرهم بما قاساه وعايشه في ظل الحكومات الانقلابات السابقة وصورة أولئك الشباب الذين نزعوا ملابسهم وقطعوا طريق الدبابات بصدورهم العارية وصورة أولئك الطاعنين في السن من الرجال والنساء الذي كان لظهورهم المحفز الأكبر لمن هم أصغر منهم سنًا هذه الصور تختزل لك صورة شعب قرر الحياة بكرامة بدون حكم العسكر وأحكامه العرفية هذا الشعب يستحق أن توهب له الحياة ,وقف العالم أجمع أصمًا وأبكمًا من شجاعة هذا الشعب وسيخلد التاريخ أن شعباً أعزلاً أسقط مخططاً عسكرياً أنبرى العالم بأسره لتنفيذه في تركيا عاشت تركيا وعاش زعيمها وعاشت إرادة الشعب واندحر الخاسئون بلا رجعة.

عن الكاتب

محمد عمر زيدان

أكاديمي سوري وأستاذ جامعي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس