محمد زاهد جول - الخليج أونلاين

نفد صبر أنقرة، وتحركت الدبابات التركية باتجاه مدينة جرابلس السورية شمال محافظة حلب، وهي تدرك أنها تأخرت كثيراً قبل القيام بهذه الخطوة، ولكن لتأخرها أسباب وضوابط، وأولى هذه الضوابط عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وبالأخص الدول التي لها حدود جغرافية مع الجمهورية التركية، وبالرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على المعارك والحروب التي تجري في سوريا، إلا أن الحكومة التركية لم تتخذ قرار دخول الدبابات التركية إلى الأراضي السورية، لأن الثورة السورية في أصلها وأساسها هي شأن سوري خالص، والدور التركي كان وسيبقى دوراً إنسانياً، سواء باستقبال اللاجئين السوريين داخل تركيا، أو تقديم الدعم لشعب السوري داخل الأراضي السورية بحكم ما تعرض له قتل وجرح وتدمير وتجويع وحصار وظلم.

وقبل نحو سنة وزيادة نقض حزب العمال الكردستاني تعهداته واتفاقياته مع الحكومة التركية بوقف القتال والتخلي عن السلاح، وتخلى عن عملية السلام بعد سنوات من المباحثات الإيجابية، وأخذ ينفذ عمليات إرهابية في المدن التركية، وبالأخص في جنوب شرق تركيا، وبعد التحقيقات تبين أن الأراضي السورية كانت هي مصدر الأسلحة والمتفجرات التي وقعت في تركيا، وقد أعلن حزب العمال الكردستاني عن تبنيها وتحمل المسؤولية عنها، مما جعل الدولة التركية تدرك المخاطر المتزايدة الآتية من الأحزاب الكردية السياسية والعسكرية السورية، لأنها فروع لحزب العمال الكردستاني، فقرارها السياسي والعسكري نحو تركيا مرتبط بقيادة حزب العمال الكردستاني، ولذلك حذرت الحكومة التركية مراراً الدول الكبرى الأوروبية وأمريكا وروسيا، وحتى الدول الإقليمية بأن هذا الحزب حزب إرهابي، ينبغي مكافحته مثل باقي الأحزاب الإرهابية المنتشرة في العالم، لأنه يعمل لتحقيق أهدافه بالطرق العنفية والقتل والتفجير في الطرق والمنتزهات والمطارات والحافلات المدنية وقد قتلت المئات، وأضرت بالاستقرار الأمني والاقتصادي في تركيا.

ولذلك نظرت الحكومة التركية لحزب الاتحاد الديمقراطي كمهدد للأمن القومي التركي وإن كان حزباً سورياً، فأعماله الارهابية طالت الأراضي التركية وقتلت من الشعب التركي، ولذلك جاءت عملية التحرك العسكري التركي نحو جرابلس باسم "درع الفرات" لمنع دخول حزب الاتحاد الديمقراطي إلى جرابلس، بعد أن نشر هذا الحزب قواته الإرهابية في العديد من المدن السورية بحجة محاربة داعش، فالتحرك التركي نحو جرابلس من أجل إخراج داعش منها، وتسليمها للجيش السوري الحر، لأن معظم سكانها مدينة جرابلس من السوريين العرب السنة أو التركمان، وكذلك كان حال العديد من المدن السورية مثل تل أبيض ومنبج والباب وتل رفعت وغيرها، ولكن قوات حزب الاتحاد الديمقراطي عندما دخلت تلك المدن والقرى السورية طردت أهلها العرب منها، وقامت بعملية تطهير عرقي فيها.

إن موقف الحكومة التركية واضح ومعلن من هذه العملية في جرابلس، فقال الرئيس أردوغان:" إن العملية التي بدأها الجيش التركي صباح اليوم الأربعاء (24/8/2016)، شمالي سوريا، تستهدف المنظمات الإرهابية، مثل داعش و"ب ي د""، فالمنظمات المستهدفة هي المنظمات الإرهابية فقط، بينما نشرت وسائل إعلام غربية بأن العملية تستهدف الأكراد، وهذا تشويه مرفوض، لأن الأحزاب الكردية المستهدفة هي الأحزاب الإرهابية، مثل المنظمات الإرهابية من داعش، فهم مستهدفون وهم ليسوا من الأكراد، وهذه الأحزاب الكردية أو داعش لم تستهدفها الدبابات التركية إلا بعد قيامها بأعمال إرهابية ضد تركيا، فالمسألة التي تعالجها الحكومة التركية هي حماية الشعب التركي، واستقرار المدن التركية في الجنوب، وعدم تعرضها لأي تهديد، علماً بأن جرابلس لا يوجد فيها إلا نسبة قليلة جداً من الأكراد أيضاً.

ولا شك أن تركيا بهذه الخطوة وهي تدافع عن أمنها القومي، فإنها تدحر مشاريع التقسيم التي تضر بالشعب السوري وتضر بالأمة العربية والتركية والإسلامية معاً، وهذا أمر بينه أردوغان بقوله: "إن تركيا لن ترضى بالمكيدة التي يُراد تنفيذها في سوريا، ولن تقبل بفرض الأمر الواقع، سنستخدم جميع إمكانياتنا لحماية وحدة الأراضي السورية، بما في ذلك تولي الأمر بشكل فعلي في حال الضرورة، نحن مصرون على أن تُدار تلك الدولة (سوريا) بإرادة شعبها"، وقال أردوغان: "إن على المنظمات الإرهابية التي تستهدف تركيا، سواء "بي كا كا" أو "ي ب ك"، أو داعش أو منظمة فتح الله غولن، أن يفهموا أنه "تم كشف هذه المكيدة"، والمكيدة هي تقسيم سوريا أولاً، وتقسيم تركيا ثانياً، فقال أردوغان: "إن الهجمات الإرهابية المتلاحقة التي شهدتها تركيا في الآونة الأخيرة، لن تنجح في تحقيق أهدافها، ولن تتمكن من التفرقة بين أبناء الشعب التركي، أو من تقسيم تركيا".

فالسياسة التركية الجديدة أن الجيش التركي سوف يتولى حماية دولته وحدوده بنفسه، وسوف يتدخل حيثما يتوجب التدخل، فقال أردوغان: "إن تركيا ستتخذ الخطوات اللازمة من أجل مستقبلها، ومن أجل أمن وسلام إخوتنا السوريين"، وهذا أمر لن تنفرد به الحكومة التركية، وإنما يتم بالتفاهم مع قوات التحالف، والولايات المتحدة، والدول الأوروبية، وروسيا، وهذه الدول عليها تفهم المخاطر التي تتعرض لها تركيا، فإذا لم تتدخل تركيا داخل سوريا من قبل، فذلك لأن الشأن السوري خاص بالسوريين والمجتمع الدولي، وليس تركيا وحدها، وأما إذا تمادى الخطر إلى داخل تركيا فإن من حق تركيا التدخل لحماية نفسها أولاً، بما في ذلك خطر تقسيم سوريا، أو التغيير الديمغرافي الذي أحدثته قوات حماية الشعب الكردية في العديد من المدن والقرى السورية، فحل مشكلة الإرهاب، مرتبط بحل أزمتي سوريا والعراق.

وما يؤكد هذه الرؤية التركية هو أن الجيش التركي يقوم بتسليم الأراضي المحررة من داعش إلى الجيش السوري الحر أولاً، وسوف تمنع القوات التركية في جرابلس أية عناصر من دخول مدينة جرابلس ما لم تكن من سكانها الأصليين، سواء كانوا من داعش أو من الأحزاب الإرهابية الكردية، فهذه أولوية تركية، لأن هدف الخطوة التركية منع التقسيم في سوريا ولو بالقوة العسكرية، والخطوة التالية هو ضرورة تنفيذ الحكومة التركية تعهداتها برجوع قوات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية إلى شرق الفرات، فهذه القوات دخلت لهدف واحد وهو إخراج داعش منها، فإذا لم تقم أمريكا بإخراجهم منها بحسب اتفاقهم مع الحكومة التركية، فإن الحكومة التركية مضطرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية التركية جاويش أوغلو قائلاً: "لا بد أن تنتقل عناصر "ي ب ك" الموجودة داخل قوات سوريا الديمقراطية، إلى شرق الفرات في أسرع وقت ممكن، هذا ما وعدت به الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما اتفقنا عليه، وفي حال لم يحدث ذلك سنقوم بعمل اللازم".

فالموقف التركي هو إنقاذ للشعب التركي من العمليات الإرهابية أولاً، وإنقاذ وحدة الأراضي السورية ثانياً، ومنع قيام كردي شمال سوريا ثالثاً، حتى لو كانت أمريكا تسعى له ولفصله عن الأراضي السورية، وهذا ما يوجب أن تخرج التصريحات من الدول العربية الرسمية والشعبية لتأييد العملية العسكرية التركية، لأن بقاء سوريا موحدة هو حفاظ على الأمن القومي العربي أيضاً، ونجاح التقسيم الاستعماري في سوريا قد يؤدي إلى تقسيم دول عربية أخرى، فالخطوة التركية في جرابلس وإن تأخرت وهي تنتظر اتخاذ الدول الغربية والمجتمع الدولي لقرارات صحيحة لمساعدة الشعب السوري دون نتيجة، فإن هذه الخطوة لا بد منها لمنع تهديد وحدة الأراضي السورية، فتركيا لا تطمع بالأراضي السورية ولا تعتدي عليها، ودورها فيها مؤقت ومحدود، ولو لم تقم تركيا بذلك لكانت مسألة تقسيم سوريا نهاية لا مفر منها، فالسياسة التركية حماية لنفسها أولاً، وحماية لوحدة سوريا ثانياً.

عن الكاتب

محمد زاهد جول

كاتب وباحث تركي مهتم بالسياسة التركية والعربية والحركات الإسلامية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس