ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في المقال الذي حمل عنوان ما وراء العملية التركية في سوريا تناولنا الحرب الإعلامية الغربية وهدفها الخبيث من محاولة إظهار العملية التركية في سوريا على أنها أطماع توسعية تركية في الأراضي السورية، محاولة في ذلك اجترار الماضي ومحاولة إسقاطه على الواقع الحالي مصورة الحكومة التركية بأنها امتداد لأجدادها العثمانيين الذين فتحوا البلاد وكسروا شوكة الغرب المتغطرس، ومن هنا تأتي المخاوف الحقيقية للغرب من العمليات العسكرية الداعمة للجيش الحر في شمال سوريا، فلقد نطقوا بما يخشون.

فبعد الانتصارات التي تحققها عملية غصن الزيتون والتي في آخر أنباء عنها، بدأت في تحرير أحياء عفرين بعد تقدم حذر من القوات لحرصها على أرواح المدنيين، وهو ما جعل القيادة العسكرية التركية تستبعد أسلوب الأرض المحروقة الذي ابتدعه الغرب لتحقيق انتصار سريع بأقل تكاليف في الأفراد والعتاد. هذه الانتصارات التي تزامنت مع حديث القيادة السياسية من أن إعادة السوريين إلى الأراضي التي طهرتها قوات غصن الزيتون سيكون في أقرب وقت، وهو يقلق الغرب ويدفعهم لمزيد من الدعاية ضد العملية، وهو ما تتفهمه القيادة التركية جيدا. فالرئيس أردوغان وفي آخر خطاب له منذ أيام قال ما نصه (سنطهر عفرين ومنبج وشمال سوريا من قطعان القتلة، دون التنازل عن قيم الإنسانية والعدل والرحمة، ودون إيلاء أي اهتمام للدعاية السوداء التي تستهدفنا).

لكن ما هو هدف الإعلام الغربي من محاولة تشويه العملية التي بالأساس تتوافق مع القيم التي قامت عليها الأمم المتحدة من فرض الاستقرار والسلام في العالم، وهو ما لم تقم به الدول مروجة الإشاعات ضد العملية؟

والغريب أن متقاطعي المصالح في سوريا اجتمعوا على تشويه العملية وإن تفاوتت ردود أفعالهم. فالنظام والروس والإيرانيون ومعهم الأمريكان قلقون من العملية، ويرجع ذلك إلى أن العملية ستمكّن المعارضة من إعادة ترتيب صفوفها ضد النظام. فعلى الرغم من استعادة النظام لقوته خلال الأشهر القليلة الماضية بفضل مساعدة حلفائه الروس والإيرانيين؛ فقد أصبحت قوته تواجه تحديا جديدا، بسيطرة قوات الثورة على مساحات كبيرة من الشمال السوري بدعم من القوات التركية وهو ما يخلق معادلات جديدة في سوريا، فالمعارضة أصبحت يقينا تتخذ من تركيا حليفا استراتيجيا يمكن التعويل عليه في أي حلول مستقبلية حتى في حالة تقسيم سوريا الذي يعمل عليه الغرب، وهو ما يجعل بالإمكان ضم فصائل جديدة لصفوف الجيش الحر والذي تسعى تركيا لأن يكون نواة لجيش سوريا ما بعد الأسد وهو بالنتيجة يعني قوة عسكرية كبيرة يمكن دعمها من أجل صناعة حماية قوية للحاجز البشري الذي تمهد له تركيا بعد عود اللاجئين السوريين، الذين هم في الأغلب من السنة على حدودها يكونون سدًا منيعًا يحمي تركيا من أطماع النفوذ متعدد الأيديولوجيا على حدودها.

كما أن تمركز الجيش الحر في هذه المناطق مع انضمام فصائل ثورية جديدة إلى هذه القوات يجعلها طامحة في اتخاذ هذه الأراضي التي تمت السيطرة عليها منطلقًا لعمليات أكبر لاسيما وأن هذه القوات حققت في السابق انتصارات كبيرة قبل دخول كل من إيران ثم روسيا وأخيرا أمريكا على الخط؛ ليقضم كل منهم جزءًا مما حققته تلك القوات، وهو ما يستفز النظام بالطبع الذي لم يدخل حتى الآن في مواجهة مباشرة مع الأتراك حرصا على ما تبقى من قواته على الرغم من تجنيده لشباب المناطق التي تم التصالح عليها مع المعارضة ورميهم في الصفوف الأولى ليموتوا.

وكذا فإن العملية تستفز إيران التي تضع مليشياتها على مقربة من مسرح العمليات في الشمال السوري طمعا في إكمال مشروعها في سوريا، لا سميا بعد تصريح مرشد إيران بأن وجود قواته في كل من سوريا والعراق شأن داخلي إيراني، وكأن الرجل يريد أن يمرر رسالة مفادها أن سوريا أصبحت جزءًا من إيران.

كما أن غصن الزيتون تستفز أمريكا التي تدعم المليشيات الانفصالية الكردية بهدف خلق كيان لهم في الشمال السوري على غرار ما حققته في العراق، وهو ما قد يترجم محاولة الأمريكان التوصل مع الأتراك إلى اتفاق حول وضع وحدات حماية الشعب في منبج وشرق الفرات على أنه تكتيك أمريكي للمماطلة لكسب الوقت وحماية المليشيا الكردية لإعادة استخدامهم أو تدويرهم.

أما الروس؛ وإن كان الوضع يستفزهم، إلا أنهم يرون في تركيا شريكًا مهمًا لا يجب مناطحته، ويرون في التفاهم مع الأتراك على مصالحهم في سوريا طريقًا أفضل لتحقيق ذلك، لكن مع ذلك تقف عقبة الأسد هي نقطة الخلاف الرئيسية مع الأتراك.

لذا فإن عملية غصن الزيتون تعيد الأوضاع في سوريا إلى نقطة الصفر، وتهدم مخططات القوى الغربية العاملة في سوريا وتخلط أوراقهم، وهو ما يبرر الهجوم الإعلامي على العملية وعلى الأتراك وقيادتهم.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس