ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

قبل عام من إجراء الاستفتاء التاريخي في بريطانيا حول خروج الدولة العظمى من حظيرة أوروبا الجامعة لم يكن يتخيل أحد أن البريطانيين سيصوتون على الخروج من الحلم الأوروبي، وعظم هذا التصور استطلاعات الرأي التي جاءت في صالح الإبقاء على حلم أوروبا الموحدة والذي كان أخره ذلك الذي أجرته مؤسسة "بوبيولس" عبر الإنترنت، قبل فتح مراكز الاقتراع بساعات والذي أظهر تقدم مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي بعشر نقاط عن الرافضين له، محققين نسبة 55% مقابل 45 % لمعسكر "الخروج"، إلا أن نتيجة الاستفتاء جاءت عكس ما ذهب إليه استطلاع "بوبيولس".

سبق إخفاق بوبيولس هذا ، إخفاق أكبر يدفع العالم أجمع ثمنه الآن ... وأعني هنا استطلاع الرأي هذا الذي أجرته مؤسسة إبسوس العريقة في مجال استطلاعات الرأي والتي أظهرت فوز هيلاري كلينتون على الرئيس الحالي دونالد ترامب، وبحسب إبسوس، وقبل ساعات من فتح مراكز الاقتراع، فإن كلينتون تتقدم على ترامب بواقع 45% مقابل 42% في التصويت الشعبي، وإمعانا في الدقة فقد أشار الاستطلاع إلى أن كلينتون في طريقها لجمع 303 من أصوات المجمع الانتخابي مقابل 235 صوتا لترامب، أي أنها ستتخطى العدد اللازم للفوز وهو 270 صوتا.

وإن كان المتخصصون يرون أن إبسوس لم تذهب بعيدا في تقديرتها للتصويت الشعبي، لكنها في النهاية أعطت انطباعاً خاطئاً عن المجمع الانتخابي، الذي يحسم النتيجة وهو ما لا يرفع عنها مسئولية الإيهام الذي أوصل لنتيجة غير المتوقعة.

هذا الحديث واجترار الماضي واستقراء حوادثه يأتي في سياق الحدث الأبرز في تاريخ تركيا الجديدة والذي يحل بعد أيام، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستشهدها تركيا سبقتها ككل الدول العريقة في الديمقراطية استطلاعات رأي صدرت عن مؤسسات عدة يصعب حصرها في مقال، نختار منها الأهم، فمن جانبها رجحت شبكة بلومبيرج الأمريكية أن تحسم نتائج الانتخابات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الجولة الأولى بأكثر من نصف الأصوات، ووزعت الشبكة النسبة بين المرشحين ففي حين أعطت الرئيس أردوغان ما نسبته 50.8%، أعطت مرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إنجة ما نسبته  30.1 %، وجاء مرشح حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش، والذي أذاع التلفزيون الرسمي خطابه لأنصاره من داخل السجن في ظاهرة تؤكد ديمقراطية الحزب الحاكم ونزاهته، في المركز الثالث بنسبة 10.5% بحسب نتائج استطلاع الرأي ذاتها، أما الوافدة الجديدة على السباق الانتخابي مرشحة حزب (إيي) ميرال أكشينير فقد أعطتها الدراسة نسبة  8% ، ليأتي أخيرا مرشح حزب السعادة تمل قرة أوغلو بنسبة  0.4 % من الأصوات.

ولنأخذ مثال أخر إضافة إلى استطلاع رأي بلومبيرج الأمريكية استطلاع أخر من مؤسسة أمريكية أخرى والذي جاء بالتعاون مع مؤسسة تركية فقد أظهر استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الأميركي للتطور بالتعاون مع مركز ميتروبول التركي فوز الرئيس أردوغان لكن بنسبة أقل مما ذهبت إليه بلومبيرج إذ أعطى استطلاع الرأي للرئيس 45% من الأصوات متقدما على كل منافسيه، إلا أن المركز مع ذلك أكد أن الدراسة رصدت أن 9% من الناخبين لم يحسموا بعد أمرهم لمن سيصوتون، وهو ما يعني أن الرئيس يمكن أن يحوز على نسبة من أصوات المترددين ومن ثم يفوز بالانتخابات من الجولة الأولى.

لكن الفخ الذي يمكن ان يقع فيه الرئيس وحزبه هو تواتر تلك الاستطلاعات وتناقلها وتسليط الضوء عليها بشكل كبير خلال الفترة القادمة، وهي لعبة يتخذها الخصوم في كثير من الأحيان لتثبيط همم الأنصار أو حتى المترددين الذين سيفضلون الفرجة بدلا من المشاركة، وهو ما يحرم الحزب الأكبر فعليا والأكثر شعبية من كتلته الصلبة ومن ثم تجريده من سلاحه الأقوى في معركة الفوز فيها لمن يحشد.

لم يكن الاستفتاء على التعديلات الدستورية إلا موقعة في معركة تثبيت أركان الحكم والتي لا يمكن أن ننكر أن المعارضة استطاعت أن تحقق فيها مكاسب من خلال الإعلام الذي تسيطر عليه ومن خلال سلاح استطلاعات الرأي الذي استخدم لتثبيط الأنصار ليخرج الاستفتاء غير مرضي للرئيس وحزبه.  

مفتاح نجاح أي حزب، لاسيما الأحزاب الكبيرة، هو مدى تمكنهم من حشد الناخبين والأنصار المعتادين، وجذب المترددين للتصويت له.

وهو ما يعني أن على حزب العدالة والتنمية وكوادره العمل خلال الأيام القادمة بشكل أكبر ومواصلة الليل بالنهار وتحفيز القواعد ودعوة الأنصار والمحبين وإقناع المترددين من أجل الوصول إلى الهدف المنشود بفوز مستحق سيؤثر لا فقط على شكل الجمهورية الجديدة بل على المنطقة والعالم أجمع.  

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس