محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

قد يثير الانسحاب الأمريكي المفاجئ من سوريا الكثير من التساؤلات وبنفس الوقت فهي علامة على دخول الاستراتيجية الأمريكية في سوريا وكذلك في الشان الإيراني الصفحة الثانية والمثيرة أيضا.

التساؤل الذي يطرحه الكثير من المراقبين هي استغناء الأمريكان عن حلفائهم الأكراد من قوات حماية الشعب الكردي والذي يثير الكثير من الاستهجان من قبل قياداتهم حتما وخصوصا بعد الإمدادات الهائلة للأسلحة لهم من قبل الأمريكان.

الصفحة الثانية من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تكون عبارة عن بتر أيادي حلفاء إيران بصورة تامة في المنطقة ابتداء من الأراضي السورية وربما لاحقا في داخل الأراضي العراقية.

إن قراءة مفصلة لأوضاع الحماية الكردية سيدرك أن أمريكا تستغل تلك الوحدات لصالحها بصورة مؤقتة وأن الطلاق البائن بينهما سيحصل بصورة مفاجئة دون حصول تباشير للملمة موقفها، حيث أن تلك القوات كانت على صلة تامة ومنسقة وربما ذراعها الخفي في سوريا مع منظمة البي كي كي. ومن المعروف أن منظمة البي كي كي تلقى دعما قويا من الحكومة الإيرانية وبالتالي فهي ربما تنفذ بعض أجندات النظام السوري في منع نشاط المعارضة السورية في المناطق التي تسيطر عليها.

سبقت هذه الأحداث الكثير من الإصدارات الإعلامية والرسمية العالمية ومنها الأمريكية، والتي تتحدث عن انتهاء خطر داعش في العراق وسوريا، وهو الذي مهد إلى موافقة مبدئية من قبل الكونغرس الأمريكي في قرارات مستقبلية سيتخذها الرئيس ترامب بخصوص التعامل مع الملفين السوري والإيراني.

إن قرار الانسحاب الأمريكي من أراضي الشمال السوري حصل بعد اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي والأمريكي مما يعني أن هناك تنسيقا مباشرا بين الدولتين حول مجمل الأوضاع في المنطقة وخصوصا في ما يخص العراق وسوريا اللذين تربط حكومتيهما بعلاقات استراتيجية مع نظام الحكم في إيران، وهذه إشارة أمريكية واضحة أخرى ضد إيران.

من المؤكد أن تركيا وبعد الانسحاب الأمريكي وتراجع قوات حماية الشعب الكردي إلى مناطق داخلية أخرى أو انتهاء فعالياتها بعد تخلي الأمريكان عن دعمهم لن تحاول الدخول في العمق السوري وبالطبع إن نقاط المراقبة المشتركة أو التركية كافية لمراقبة حدودها الجنوبية ولذا فإن اعتمادها سيكون على جهة ثالثة. قبل الخوض في تفاصيل وأهداف قوات روجافا الكردية في الأراضي السورية يجب أن نشير إلى النقاط التالية:

1- قامت القوات الجوية التركية بسلسلة من الغارات على مناطق تواجد منظمة البي كي كي في سنجار ومخمور.

2- هناك دعم إيراني لتلك المنظمة في معظم مناطق تواجدها وخصوصا في سنجار حيث تعتبر تلك المنظمة هي المدافعة عن النفوذ الإيراني فيها ضد البيشمركة الكردية الموالية للحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة السيد مسعود البرزاني.

3- في الآونة الأخيرة حصل تنسيق على كافة الأصعدة بين إيران ومسعود البرزاني وربما كان التعاون بصيغة ضغوط إيرانية لمسعود البرزاني من أجل دعم الحكومة المركزية في بغداد وتجلت تلك الجهود في زيارات قيادية حزبية برزانية للعاصمة العراقية والتي تشكلت بها حكومة جديدة بصيغة قديمة مترادفة ومتناسخة.

4- ورغم وجود ضغوط إيرانية وتنسيق أمني وسياسي بينهما (إيران والبرزانيين) فإن إيران ترى أن تحالفها مع البي كي كي هي أقوى وأصلح للنفوذ الإيراني لأن الأتراك لهم علاقات وطيدة مع البرزاني وأن الاخير لا يستطيع وضع تلك العلاقات على الرفوف بتاتاـ كما أن البي كي كي سيكون دوما بحاجة إلى دعم إيران ماديا وعسكريا.

هناك ملاحظة مهمة يجب أن نتطرق لها وهي أن أمريكا بدأت تغيير سياستها بعض الشيء تجاه تركيا العضو في حلف الناتو بعد صدور تصريحات من الرئيس الفرنسي بتشكيل قوات أوروبية خالصة لحماية أوروبا وما أعقب تلك التصريحات من استهجان أمريكي واضح، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى في الشأن الشرق أوسطي وبالتحديد في سوريا والعراق في ما يخص العقوبات الأمريكية ضد إيران ترى الولايات المتحدة أن الأتراك يستطيعون ملأ الفراغ الأمني والسياسي في حال تخلخل النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وأنهم الأقرب لملئه.

إن سحب القوات الأمريكية من سوريا والنية في إعادة نشرها في مناطق شمال العراق وبالتحديد في المناطق الواقعة تحت النفوذ البرزاني هي بقصد حمايتهم من تهديدات إيرانية محتملة لاحقا.

ومن المؤكد أن قوات روجافا الكردية ستكون هي البديل والتي تحل محل كل القوات الكردية بمختلف فصائلها في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا. قوات (روجافا) هي البيشمركة السورية ونواتها العسكريون الكرد المنشقون عن نظام الأسد مع بداية الثورة السورية، والتي تلقت تدريباتها العسكرية على يد البيشمركة في إقليم شمال العراق، ثم انخرطت في القتال إلى جانبها هناك.

وتتولى حاليا مسؤولية قواطع عمليات محوري: كسك وأطراف تلعفر وبالقرب من سد الموصل في محافظة نينوى العراقية كجزء من مهامها في مناصرة ودعم قوات البيشمركة الكردية.

ولاء بيشمركة روجافا السياسي هو للحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية، والذي يعتبر امتداداً لجناح الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق بقيادة مسعود البرزاني، والذي بدوره ينضوي تحت تشكيل المجلس الوطني الكردستاني في سورية، الذي تبنى قوات روجافا (البيشمركة السورية) كجناح عسكري للمجلس الوطني الكردي في سورية وطالب بدخولها إلى المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية في سوريا للدفاع عنها في وجه الهجمات التي تطالها، وهو ما ترفضه صراحة وحدات الحماية الكردية الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي أو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي وبعبارة أصح إن رفض وحدات الحماية الكردية للروجافا يعني وجود صراع سابق بينهما مما يدل على وجود مبررات إضافية لحصول نزاع مسلح جديد بينهما في الساحة السورية.

وحتما إن تلك القوات ستكون مناصرة لقوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في حال محاولتها نزع منطقة سنجار من أيدي ميليشيات حزب العمال الكردستاني وكذلك في مناطق ربما تكون داخلة ضمن نفوذ غيرها من الأحزاب وبالأخص في منطقة مخمور، وعليه  فإن صراعا كرديا كرديا سيمتد من سوريا باتجاه العراق سيحث في المنطقة بعد هذه الأحداث المفاجئة والتي جاءت من واشنطن هذه المرة.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس