ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في الوقت الذي كانت يجتمع فيه حلفاء أمريكا من العرب والأوروبيين في العاصمة البولندية وارسو للمشاركة في مؤتمر بشأن الأمن في الشرق الأوسط، والذي كان أحد الأوراق المطروحة على طاولة النقاشات فيه الملف السوري، كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يحضر قمة أخرى في مدينة سوتشي الروسية يناقش نفس الملف، مع زعماء كل من إيران والدولة المضيفة روسيا.

غياب تركيا عن العاصمة البولندية، أو عدم دعوتها بالأساس رغم وجود الملف السوري التي تعتبر تركيا فاعلا رئيسيا فيه، واختيار الذهاب إلى سوتشي، له دلالات كثيرة يجب الوقوف عندها، لاسيما أن توازنات القوى في سوريا يعاد تشكلها بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا.

وتعكس القمتان المتنافستان صراع الرئيس دونالد ترامب في تشكيل جبهة موحدة ضد إيران في مقابل انجراف تركي بعيدا عن واشنطن حيث تجد أرضية مشتركة مع موسكو وطهران، بعد ما بات يقينا لدى تركيا أن أمريكا لن تحقق لها أو على الأقل لن تسمح لها بتحقيق الهدف من دخولها سوريا، حماية حدودها وقطع الطريق أمام قيام كيان كردي على حدودها يكون ملهما لأكراد تركيا ومن ثم تدخل تركيا التي حاولت بكل الطرق السلمية وغيرها وقف المشروع الكردي الانفصالي.

لعقود اعتمدت الولايات المتحدة على تركيا كشريك موثوق وحليف أصيل ابان الحرب الباردة، لكن المشهد السياسي قد تغير، والنفوذ الأمريكي في المنطقة موضع شك، وأجندة تحالفاتها أيضا باتت غير واضحة، لاسيما بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، كما أن أنقرة باتت تؤكد كل يوم على مسارها الاستقلالي عن الهيمنة الأمريكية السابقة والمغلفة بورقة التحالف.

ولعل اتخاذ أمريكا قوات سوريا الديمقراطية الانفصالية حليفا لها في سوريا باعد الشقة بين الولايات المتحدة وتركيا، وبعد القرار الأمريكي بسحب قواتها من سوريا ومحاولات الرئيس أردوغان عبر اتصالات تليفونية مكثفة لإقناع الرئيس ترامب بضرورة أن يكون البديل تركيا، وقدم في ذلك بوادر حسن نية بـتأجيل العملية العسكرية التي كان من المقرر ان تنعقد مع بداية العام الجاري أكثر من مرة، والذي كان الرد الأمريكي عليه مزيدا من المماطلة، يبدو أنه كان الدافع لتفضيل تركيا الذهاب إلى سوتشي على قضاء وقت تستمع فيه إلى النصائح من نائب الرئيس الأمريكي بينس في بولندا.

وبعد الحديث عن طلب أمريكي لإرسال قوات أوروبية إلى سوريا لملء الفراغ الذي ستتركه القوات الأمريكية، وهو ما يعني أن تلك القوات ستقوم بنفس المهام التي كانت تقوم بها القوات الأمريكية والتي من ضمنها دعم ميليشيات سوريا الديمقراطية، فإن الخيار التركي بلا شك سيكون روسيا – إيرانيا للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في سوريا تلك المصالح التي تضمن الأمن القومي التركي، وهو الخير الأصح بالنسبة لتركيا وبشهادة المراقبون الأمريكيون أنفسهم، فبحسب ايلان جولدنبرج ، وهو مسئول كبير سابق في إدارة أوباما والآن زميل بارز في مركز الأمن الأمريكي الجديد: ( إن القوى الحقيقية في سوريا الآن هي إيران وروسيا). ولقد وجدت أنقرة بالفعل في سوتشي ما لا يمكن ان تجده في وارسو، فعلى الرغم من أن الإدارة الامريكية طرحت منطقة عازلة على تركيا، فإن الرد التركي كان تأكيدا على نفوذ روسيا في سوريا، بعدم إمكانية تجاوز روسيا في هذا الأمر، وهو ما يعني أن تركيا، فيما يبدو، منحت وعودا من روسيا أبعد من منطقة عازلة على حدودها. 

الحقيقة أن العلاقات التركية – الأمريكية لم تكن لتذهب إلى هذا المنحى من خلال سياسات جرفت تلك العلاقة إلى مسار بعيد عما كان مرسوما له أو حتى مأمولا، فعجرفة الإدارة الأمريكية ونجاح تلك السياسة المتعجرفة مع بقعة جغرافية من العالم لا يمكن أن تطبق في باقي الجغرافيا، وهو ما يؤكد أن راعي البقر قد ينجح في اصطياد بقرة لكنه في الغالب لا يستطيع أن يصطاد أسدا.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس