فهد الرداوي - خاص ترك برس

منطقة الجولان السوري التي تبعدُ عن العاصمة دمشق 50 كم فقط، هي منطقة تنعمُ بالماء الوفير والأراضي الخصبة وفي جديد الاكتشافات، ثروات النفط والغاز الهائلة، وهي أيضًا ذات الموقع الاستراتيجي والحيوي لما تملكهُ مرتفعاتها من أهميةٍ كبيرةٍ لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تبلغ أعلى قممها في جبل الشيخ ارتفاعًا يصل لــ 2816م، تُطلُّ هذه المرتفعات على عواصم دول منطقة الشام الأربعة (دمشق، وعمّان، والقدس، وبيروت).

الجولان السوري، هذه المنطقة الغنّاء والتي يتعايش فيها السوريون بمختلف أطيافهم منذ آلاف السنين وما تُشكله من بُعدٍ أمني وعسكري واستراتيجي كانت وما تزال في عين المراقبة الإسرائيلية والحلم بالسيطرة عليها، وقد دخلت فعليًا هذه المنطقة حيّز الاهتمام الإسرائيلي بعد زرع كيانها وترسيخ قواعده، لذا أصبح التفرّغ والعمل على استكمال هذا المشروع الذي مرَّ بمراحل تأسيسية تاريخية، أصبح واجبًا قوميًا لليهود ودخل مرحلة التنفيذ والاعتراف.

مراحل المشروع اليهودي وأدواته التأسيسية

عمد اللوبي الإسرائيلي العالمي منذ بداية القرن العشرين إلى تأسيس كيانات داخل الأنظمة العالمية وذلك لخدمة مشروع دولتهم المنشودة، فتوّجت تلك الجهود بوعد بلفور في عام 1917م، وكان عرّاباه شخصيتان هما (حاييم وايزمان) العالم الكيميائي المُقرّب من الحكومة البريطانية آنذاك، وأول رئيس للكيان الصهيوني فيما بعد، واللورد (ليونيل دي روتشيلد) أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وكانت فلسطين أرض ميعادهم وبدأت الهجرة الفعلية إليها.

ومن هنا كانت البداية بزرع هذا الكيان الصهيوني في أرض العرب والعمل على تقويته من خلال أدواتهم الفاعلة في بريطانيا وفرنسا، وتمثل ذلك باحتلال دول الجوار بغية إضعافها وتمكين هذا الكيان في المنطقة، فكانت الأردن وفلسطين والعراق ومصر من نصيب الاحتلال البريطاني وسوريا من نصيب الاحتلال الفرنسي، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى جديدة في العالم ذات قطبٍ واحد مع إنهاء دور ما يُسمى بالدول الاستعمارية أمثال فرنسا وبريطانيا، اتجهت انظار اللوبي اليهودي لهذه الدولة لتبدأ التأثير على مراكز قراراتها من خلال وجود اليهود في الإدارة الأمريكية أو من خلال التأثير على الانتخابات الرئاسية، عبر ما يُسمى بـ (البلاط اليهودي) المُتحكم بالجالية، ليتطوّر بعدها الدعم لهذا المشروع الصهيوني الذي تكلل بالنكبة العربية عام 1948م والاعتراف بدولة اسرائيل، وهو نتيجة حتمية لعمل تلك الكيانات التي أسسها اللوبي اليهودي في أوروبا وفي داخل المنظومة الأمريكية الجديدة هذه وخصوصاً في عهد الرئيس ترومان أمثال (ليوبافوسكي نائب وزير الخارجية – وبرنارد باروح رئيس لجنة الذرة – وفلنجمان مدير الانتاج الحربي – وسام برجر المستشار الخاص للرئيس ترومان)، ما يُعتبرُ تغييراً واضحاً لمفاهيم الصراع والسيطرة، وتحديثًا للتكتيك الاستعماري الجديد مع اعتماد مفهوم الوكالات الوظيفية والخدمية وتطبيقه بدقة متناهية بانت نتائجها بوضوحٍ تام أبان العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م.

ومن هنا بدأ العمل بقاعدة الإحلال والإبدال، فتمَّ دعم المنظومات التي تتبنى الشعارات الرنانة كحزب البعث ومشتقاته في سوريا والعراق واليمن، ومن ثم تسهيل نشوء كيان ديني أو ما يُسمى بالإخوان المسلمين في مصر، ومن ثم تمكين نظام الملالي في إيران للتأثير على وحدة الصف الديني السني الذي تمثله العاصمة المقدسة للمسلمين (مكة المكرمة)، ومن ثم تغييب الشخصيات الوطنية الثائرة والحالمة بوحدة عربية والرافضة لوجود هذا الكيان على الأراضي العربية، وكان من أبرز تلك الشخصيات المؤثرة في الأمتين العربية والإسلامية "الملك فيصل بن عبد العزيز" رحمه الله والذي سخّر كل إمكانياته، خدمةً لوحدة الصف العربي والدفاع عن قضايا العرب والمسلمين.

حافظ الأسد أو طروادة الحكم في سوريا

لا ينسى السوريون شخصية (إيلي كوهين) والذي جنّدهُ جهاز الموساد الإسرائيلي في سوريا باسم "كامل أمين ثابت" كرجل أعمال سوري قادم من الأرجنتين ليستثمر أمواله في ربوع الوطن الغالي "على حد قوله"، وفور وصوله الأراضي السورية بمطلع ستينيات القرن الماضي، بدأ كوهين بالتغلغل داخل إدارة الحكم السوري ومفاصله المؤثرة، فبدأ عمل الموساد بزرع أشخاصٍ داخل منظومة الحكم السوري وتمكينهم بشكل جيد وتقديم كافة أنواع الدعم لهم في سبيل خدمة المشروع الصهيوني، فتمَّ إعادة أبرز تلك الوجوه وهو (حافظ الأسد) الضابط المطرود من الجيش برتبة ملازم أول، والعائد للخدمة بطريقة ضبابية عبر حزب الشعارات الرنانة (حزب البعث) مع ترقيته لرتبة مقدم في عام 1964م، وبشطحةٍ بعثية أصبح هذا الشاب برتبة لواء (جنرال)، دفعة واحدة دون المرور على التراتبية العسكرية المعروفة، ليصبح بعدها وزيراً للدفاع في الجمهورية العربية السورية عبر بوابة البعث.

 حافظ الأسد "المجهول النسب" والشخصية الهلامية التي لم يكن لها أي تأثيرٍ أو وجود في مطلع ستينيات القرن المنصرم، سوى قضايا السرقة والفساد اللاأخلاقي التي أدت إلى طرده من الجيش، عاد ليكون حصان طروادة التابع لمشغليه بانصياعٍ تام لجميع المهام التي توكل إليه، وكان أهمها الإسهام بخسارة حرب 1967م التي أدت لاحتلال الجولان السوري.

وما تلك الأسطوانة المشروخةٌ التي يُعاد تكرارها بين الحين والآخر، والقائلة، بأنَّ حافظ الأسد قد باع الجولان السوري لإسرائيل في هذه الحرب بمبلغ خمسين مليون دولار أمريكي أو بضعف هذا الشيء، ما هي إلا سذاجةٌ وأمرٌ غير صحيح، فالأجدر بنا أن نقول بأنَّ حافظ الأسد ساهم باحتلال الجولان من خلال منصبه كوزيرٍ للدفاع حين أعطى الأوامر بالانسحاب من مناطق التمركز العسكري في الجولان دون اشتباكٍ يُذكر مع الجيش الاسرائيلي، والبيان (66) الذي أصدره حافظ الأسد شخصيًا، هو خير دليلٍ على أنَّ سقوط الجولان السوري كان غزوةً داخلية وليس مواجهةَ أضدادٍ عسكرية.

حافظ الأسد ما بعد سقوط الجولان

بدأت القيادات الوطنية بإجراءات التحقيق لأجل محاسبة حافظ الأسد، وفعلًا تم عزله من منصبه وإحالته للتحقيق وكان ذلك في آخر اجتماعٍ للقيادة القطرية، ولكن حافظ الأسد كان محتاطًا لهذا الأمر من خلال التغيير الملحوظ الذي كان قد بدأه بتأسيس الكيانات الموالية له داخل قيادة الجيش والأركان، ليقوم بانقلابه الشهير بدعمٍ مُطلق من مشغليه ويعتقل جميع من كانوا في الاجتماع القطري لقيادات الدولة بمن فيهم (صلاح جديد) الذي ساهم بإعادته إلى الخدمة وترقيته، ويُعلن نفسه رئيسًا لسوريا بما أسماه حينها الحركة التصحيحية وتحويل الجيش الوطني إلى جيشٍ طائفي يُدين بالولاء المُطلق له، لتبدأ بعدها مرحلة تأسيس أجهزته الإستخباراتية التي أطلق يدها على السوريين دون حسيب أو رقيب أو مساءلة، مع مصادرة تامة للحالة التحديثية (العلمية والصناعية والاقتصادية) في سوريا والتي كانت حينها على بُعد خطوات قليلة من دخول عالم الصناعة العالمي، وكان لزاماً بعدها إظهار حافظ الأسد كبطلٍ للحرب فكانت حرب تشرين التلميعية عام 1973م سبيلاً لذلك حين تم استعادة مدينة القنيطرة وهي جزء بسيط من منطقة الجولان السوري.

وكان تدخل الدول العربية حينها أمرًا عظيمًا وأبرزهم المملكة العربية السعودية التي أوقفت تصدير النفط وأشهرته سلاحًا لنصرة القضايا العربية وتدخل جيوش مصر والعراق، فأخذت الأمور تتطور بعكس الخط البياني المرسوم من قبل حافظ الأسد ومُشغليه فتقدمت الجيوش العربية بشكلٍ كبير، ولكن خوف إسرائيل من تحوّل هذه المعركة إلى مواجهة عربية شاملة ومفتوحة، حينها أمرت عاملها حافظ الأسد لإعلان وقف إطلاق النار والموافقة على تدخل قوات حفظ نظام عالمية، واكتفت إسرائيل بشاسع الجولان المحتل مع ضمان حماية وسيطرة مُطلقة لحافظ الأسد وتمكين أحد أبنائه من بعده على الجمهورية العربية السورية حتى إشعارٍ آخر.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس