ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

على غير عادته بدى منفعلا مشدودا متأثرا حد البكاء، أثناء وقوفه في صلاة الغائب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، لقد كان أول رئيس أو مسئول ينعي الشهيد، بعد دقائق من التأكد من الخبر، أثنى عليه ووصفه بالأخ، ونعم الأخ، ونعمة الأخوة في الحرية والنضال، فقد جمع الرجلان صفات قلما تجدها في زماننا.

التواضع والإخلاص والتفاني من أجل الوطن والشعب، عاملين غير منتظرين جزاء ولا شكورا، بل على العكس كانا يجدان الجحود والاتهامات والسباب واستباحة الأعراض مقابل عملهما، ولا عجب فالإخلاص للأوطان يغيظ من باع وفتح بلاده سوقا للنخاسة ونصب نفسه قوادا ليستبيح الغرب دياره ومقدراته، لقاء الزائل من عرض الدنيا وتبقى له اللعنات أبدا ما ذكر.

لقد كان الرئيس أردوغان في كلمته مصيبا للهدف في توضيحه أس الصراع، ذاكرا ومذكرا بما حدث في مصر ولحساب من حدث، الخط الذي انتهجه أردوغان، والذي لم يتبدل في توصيف الحالة في مصر، وما بنا عليه من موقف رافض للانقلاب العسكري في مصر، عارضه بعض المحيطين به ، بمستويات مختلفة، بداية من بعض القواعد إلى أعلى قيادات في حزبه ومنهم وزراء، معللين أن مصالح تركيا الاقتصادية والسياسية تقتضي التماهي مع النظام العالمي الذي أقر بالانقلاب، بل ودعمه ويعمل على تقويته كي يؤسس لدولة ما بعد الانقلاب، فالمصالح فوق إرادة الشعوب، إذ المصالح في النهاية هي لخدمة الشعب، لكن أردوغان رأى أن المبادئ هي مصالح إستراتيجية للشعوب تعلو فوق المصالح الآنية.

أثناء كلمته في تأبين الرئيس الشهيد، ذكر الرئيس أردوغان كلمة للرئيس مرسي في أخر خطاب له قبل الانقلاب بأن الشرعية، أي إرادة الشعب الذي أنتخبه، ثمنها حياته، أي حياة مرسي، قاصدا بذلك أنه سيضحي من اجل إرادة الشعب وسيناضل من أجل حريته، هذه الكلمة التي ذكر بها الرئيس أردوغان لم تأت عبثا، إنما هي رسالة أكدها في أخر كلمته بعد أن صلى على مرسي، بأن هناك أمثال السيسي في تركيا يريدون له مصير مرسي.

إنه مجلس إدارة الثورات المضادة بقيادة السعودية والإمارات والذي يوجه من الكيان الصهيوني وأمريكا وضالع في خططه الغرب، هذا ما قصده الرئيس بأن أمثال السيسي موجودون في تركيا ويريدون له مصير مرسي. إنه مجلس إدارة الشر في العالم فالمصالح تجمعهم وهدفهم واحد، نهب مقدرات الشعوب وإحباط محاولات المقاومة حتى ولو سلمية وصولا إلى استعباد تلك الشعوب و سرقة مستقبلهم.

لقد كان خيار الرئيس اردوغان في اتخاذ طريق الندية سبيلا لاقناع الغرب، الذي لا يؤمن إلا بمفهوم القوة، لهندسة شكل جديد للعلاقة بين بلاده وبينهم، أردوغان أراد شراكة مع الغرب وأرادوها وصاية، ومع تمسك الغرب بالوصاية كان طريق الندية هو السبيل لإقناعهم بما يتغير على الأرض.

هذا الواقع استطاعت تركيا أن تبنيه خلال السنوات الماضية، بجيش قوي واقتصاد متنام، بعد أن سددت ديونها، وصولا للتنمية المستدامة والرفاه المقبول لشعب كان يرزح تحت نير الفقر والمرض، وشجع الاستثمار، وبنى أردوغان من جهته شعبية جارفة لبلاده بانحيازه للشعوب والمستضعفين مما جعل تركيا مقصدا لكل مستثمر وسائح عربي وإسلامي.

هذه المقومات التي بناها اردوغان هي نفسها التي وأدها مجلس إدارة الثورات المضادة وقدموها قربانا للغرب المستعمر المستعلي، وهو ما يسعى الآن في تركيا لتحقيقه، كي لا تقوم لهذه الأمة قائمة.

لقد كان رفض الجماهير الغفيرة التي حضرت كلمة أردوغان في جنازة الرئيس مرسي لأن يكون من بين ظهرانيهم أشباه السيسي يريدون لرئيسهم المنتخب مصير الرئيس المصري رسالتان، أولهما للغرب ووكلائه، بأن الشعب لن يخذل رئيسه ولن يسلمه، والرسالة الثانية لأردوغان حتى بعد نتيجة انتخابات بلدية إسطنبول بأن: لا تحزن فإن الله معنا.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس