محمود عثمان - عربي 21

خلال كلمته الأسبوعية أمام أعضاء كتلة حزبه البرلمانية، شن زعيم المعارضة التركية، كمال كليتشدار أوغلو، هجوما عنيفا على السياسة الخارجية التي تنتهجها حكومة العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث شدد كليتشدار أوغلو على ضرورة إعادة النظر في السياسة الخارجية لتركيا، مطالبا بترميم العلاقة مع مصر، وإعادة المياه إلى مجاريها مع نظام الأسد في سوريا، من أجل تحقيق السلام في المنطقة.

وأضاف زعيم حزب الشعب الجمهوري أن "مصلحة تركيا فوق كل اعتبار.. يجب إحلال السلام مع مصر وعلينا عدم الخوض في نزاعات مع الأمم الأخرى"، متسائلا عن سبب عدم وجود سفير في القاهرة.

كمال كليتشدار أوغلو طالب الحكومة أيضا بالتوقف عن إرسال أسلحة إلى ليبيا، متسائلا عن سبب إقدام أنقرة على تأجيج النزاع هناك، في وقت يمكنها أن تكون فيه وسيطا بين الأطراف لإنهاء الحرب.

يأتي التصعيد السياسي لزعيم المعارضة، في وقت تتعرض فيه تركيا لمحاولات حصار غير مسبوقة في منطقة شرق المتوسط، حيث تسعى دول الاتحاد الأوروبي بواسطة قبرص الجنوبية إلى عزل تركيا، بدعم من اليونان ومصر وإسرائيل، من دول المنطقة، والولايات المتحدة من خارجها.

ودعا كليتشدار أوغلو؛ رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وحكومته إلى تغيير سياسته الخارجية في الشرق الأوسط، بالتخلي عن التعلق بجماعة الإخوان المسلمين، وعدم مساندة حكومة السراج الشرعية في ليبيا، وإعادة السفير التركي للقاهرة وتطبيع العلاقة مع نظامها الجديد، والمصالحة مع النظام السوري، وفتح علاقات مباشرة مع دمشق.

من الواضح تماما أن كليتشدار أوغلو يتبنى المطالب ذاتها التي تنادي بها دول محور "الثورة المضادة" التي تتبنى موقفا معاديا لثورات الربيع العربي، وتقف ضد مطالبة الشعوب بالحرية والكرامة والديمقراطية.

ما يؤكد تماهي كليتشدار أوغلو مع محور الثورة المضادة، اكتشافه بشكل مفاجئ شماعة "جماعة الإخوان المسلمين"، واتهامه أردوغان بأنه يضحي بعلاقات تركيا مع الدول العربية من أجل الحفاظ على علاقاته مع جماعة الإخوان المسلمين. وهذا يعني أن هناك قنوات تواصل مفتوحة بينه ودول الثورة المضادة، على صعيد الأفكار والمواقف السياسية.

الغريب والمتناقض في كلام كليتشدار أوغلو، دعوته الحكومة التركية لتطبيع العلاقات مع حكومة نظام الأسد كونها شرعية، ومطالبته بنفس الوقت بقطع الدعم عن حكومة السراج الشرعية في ليبيا، المعترف بها أمميا، لصالح مليشيات خليفة حفتر المتمردة.

من جهة أخرى، يدافع كليتشدار أوغلو عن حق تركيا في التنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط بقوله: "لدينا حقوق في شرق البحر المتوسط وسندافع عنها حتى النهاية.. لا تقلقوا بخصوص ذلك".

ويرفض القرارات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي ضد أنشطة التنقيب التركية عن الموارد الهيدروكربونية شرق المتوسط، وينتقد سياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها الاتحاد الأوروبي دائما مع بلاده، قائلا: "الاتحاد الأوروبي ليس له أي اعتبار في المنطقة، طالما لم يتخلّ عن اتباع سياسة ازدواجية المعايير. لا نقبل التدابير التي اتخذها ضد تركيا".

المكانة الاستراتيجية للشرق الأوسط وحق تركيا بالتنقيب عن الغاز

يشكل شرق البحر الأبيض المتوسط شريان المشروع الصيني "طريق واحد حزام واحد"، لهذا أصبحت رغبة الغرب في السيطرة على شرق المتوسط عاملا هامّا في التوازنات العالمية.

تسعى أنقرة للحفاظ على حصتها وحصة شمال قبرص من موارد الطاقة في هذه المنطقة، وتؤكد على كونها من البلدان الضامنة في قبرص، وعلى حقها النابع من القوانين الدولية في مواجهة البلدان التي لا تملك ساحلا على المنطقة، كما أنها تشدد على تساوي القبارصة اليونانيين والأتراك في الحقوق، وعلى ضرورة استفادة الطرفين من ثروات الجزيرة.

بقيت تركيا بعيدة عن معادلة الطاقة في شرق المتوسط، إلى حين توقيعها "اتفاقية تحديد الجرف القاري" مع جمهورية شمال قبرص التركية عام 2011؛ لأنها كانت ترى ضرورة حل المشكلة القبرصية أولا، ثم من بعدها إقامة توازنات الطاقة. لكن قبرص الجنوبية، ومعها اليونان ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، ظلت تراوغ وتلتف على جميع المبادرات الأممية، التي كان آخرها مبادرة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان، حيث رفض القبارصة اليونانيون مبادرته وصوتوا ضدها. كل ذلك لم يمنع الاتحاد الأوروبي من قبول عضوية قبرص اليونانية، مما عقّد الأمور وعرقل الحل، وجعل الأمور تأخذ مسارها المعقّد الذي وصلت إليه اليوم.

ومما زاد الأمور تعقيدا، اكتشاف احتياطي كبير للطاقة في منطقة شرق المتوسط خلال الأعوام العشرة الأخيرة، ما وجه الأنظار مرة أخرى للمنطقة، خصوصا مع اكتشاف حقول الغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل عام 2009، ومن بعدها في مصر، ثم إعلان هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية وجود 3.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي و1.7 مليار برميل نفط، لتصبح جزيرة قبرص من أغلى البقاع على كوكب الأرض.

مقابل هذا الوضع المعقد، تبذل تركيا جهدا إضافيا من أجل الدفاع عن حقوقها السيادية، وتتصدى لمحاولات حرمانها من مصادر الطاقة في البحر الأبيض المتوسط.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس