محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

من الضروري التأكيد على أن الاحتجاجات التي انطلقت في عموم المدن العراقية كانت عفوية نتيجة الاحتقانات النفسية عند المحتجين اليافعين والشباب، والتي تراكمت طيلة السنين الماضية بسبب امتناع الحكومات عن تقديم برامج للصالح العام والانشغال فقط بتقاسم واردات وخيرات العراق الوفيرة بين المتنفذين في الدولة العراقية ابتداءً من السلطات الثلاث ومجلس الوزراء والنواب ومجالس المحافظات وغيرهم.

وباختصار شديد إن الاحتجاجات والتي لا زالت متواصلة في مدن بغداد والحلة والنجف والناصرية وغيرها هي ضد أركان الدولة الفاسدة، شاملةً السراق ومؤججي الطائفية وهادمي مؤسسات الدولة الاعتبارية.

والحقيقة الثانية والتي تثبت عفوية الاحتجاجات وانتشارها الواسع وعدم تجييرها لجهة معينة هو عدم ظهور جهات سياسية قيادية تلتزم منهجًا أويدلوجيا، وهذا ما يدل أيضًا على مدى الضرر الذي أصاب شرائح واسعة من العراقيين وخصوصًا من فئة الشباب العاطلين عن العمل ومستقبلهم الضبابي المجهول.

من المؤكد أيضًا أن بعض الجهات حاولت التنصل عن الجرم الذي ولده سوء إدارة الدولة وكذلك عن الفساد المستشري في إدارة شؤون الدولة، وحاولت بعدة وسائل وعلى فترات إبعاد الشبهة عنها وعن علاقاتها مع أجهزة الدولة الرسمية وبالذات مع رئاسة مجلس الوزراء والنواب.

والجهات السياسية حاولت بشتى الوسائل تصوير بقائها وشرعيتها بأنها مقترنة بموافقة المرجعية التي لم تتدخل بصورة مباشرة في شؤون الدولة ولم تقدم سوى النصائح لها، بل أكثر من ذلك إن طلبها المتكرر من مجلس النواب بوجوب إصدار قوانين إصلاحية فهم منها واستغلتها الكثير من الجهات على أنها اعتراف ضمني بشرعية استمرار مجلس النواب الحالي وبالمحصلة إعطاء الشرعية لباقي مؤسسات الدولة، بينما الحقيقة أن المرجعية التي كررت نداءاتها ونصائحها لمجلس النواب بوجوب تشريع قوانين إصلاحية كانت تعني اعترافًا بفشل السلطة التشريعية بمواكبة متطلبات الجماهير المتضررة والتي بدأت باحتجاجات سلمية وعلى نطاق واسع.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن دائمًا وفي غمرة تلاحم الإنسان العراقي بكل طوائفه، والذي يشهد أوسع عملية احتجاج غير معير أي اهتمام لبنادق وقنابل السلطات أو الجهة الثالثة، وهو لماذا لم تقُم الجهة التشريعية بإصدار قوانين ذات مضامين فعلية تؤثر بصورة حقيقية على حلحلة واختزال اتساع الاحتجاجات وربما كانت تضمن إطالة أمد حكومة عادل عبد المهدي.

في الفترة التي سبقت الاحتجاجات تعالت أصوات من داخل البيت الشيعي بعدم أهلية عبد المهدي لرئاسة مجلس الوزراء بل الأكثر فإن أصواتًا أخرى حاولت سحب البساط من تحته وحاول تقديم نفسه وقام بزيارات ليست لها أية فحوى سوى الظهور بمظهر رجل الدولة البارز والقوي والمستعد، وآخرون من تلك الأصوات طرحت بالفعل بعض الشخصيات البديلة لعبد المهدي.

بمعنى أن هناك جهات كانت حاضرة وساعية للإطاحة بعبد المهدي قبل بدء الاحتجاجات الشعبية، وبذا يفهم أن الغليان الشعبي ضد عبد المهدي سببه تكبيل أيديه وأرجله ومنعه من إصدار أية إصلاحات بغرض تقديم أفضل الخدمات للمواطنين، وأن تلك الجهات كانت أيضًا مهيمنة على مقررات مجلس النواب وهي التي منعت إصدار قرارات تلبي مطامح الشباب وجمهور واسع من الشعب العراقي المبتلى والمكلوم.

ويفهم هنا أن تلك الجهات التي كانت سببًا رئيسيًا في تأجيج الاحتجاجات واتساع نطاقها ستقوم بكل تأكيد بطرح بديل لعبد المهدي. وبصورة أدق أن تلك الجهة والتي ممكن أن نسميها بالدولة العميقة لا زالت في أوج قوتها وسطوتها وجبروتها واستهانتها بالشعب، والأكثر من ذلك فإن قوتها التي تستند إليها مستقبلًا مخفية عن الساحة.

المشكلة التي تثير الكثير من التساؤلات هي الجهة التي أرسل إليها عادل عبد المهدي استقالته وهي أروقة مجلس النواب، حيث أن الشكوك بدأت تتوضح أكثر فأكثر من أن الجهات التي بالسلطة تحاول بكل الوسائل منع انهيار كيانها المؤثر والذي هو عبارة عن دولة داخل دولة مضحية بالأشخاص تباعًا كعبد المهدي وغيره، وأن هذه الجهات أجبرت عبد المهدي على تقديم استقالته لمجلس النواب لإكسابها شرعية للأخير جراء هذا الفعل، لأن من المعروف أن الاستقالة يجب أن تقدم لرئيس الجمهورية الذي كان من الممكن أستخدام صلاحياته في تطبيق المادة 84 الفقرة الأولى والتي بموجبها يحل مجلس النواب، ثم يدعو إلى انتخابات عامة وتنتهي  المشكلة جذريا.

والشيء المثير للجدل أيضًا أن خطاب الاستقالة قد استهلّ بآية كريمة وكأنها موجهة للمرجعية ولشخص السيد السيستاني شخصيًا، ومن المؤكد أيضًا أن صيغة خطاب الاستقالة والجهة التي أرسلت لها الاستقالة كانت أيضًا من تدبير تلك الجهة أو الدولة العميقة.

أي أن العراقيين أمام خيارين إما الاستمرار بالتظاهرة السلمية ونيل كل مطاليبهم وحذف كل الطبقة السياسية والمحاصصة من القاموس السياسي العراقي وإلى الأبد، أو الإذعان لرجال الدولة العميقة بعد أستلامهم السلطة من جديد.

إن الدولة العميقة قد أعدت عتاد استمرارها حيث ضحت بأول الوجوه أو الأقنعة المزيفة، وتقوم حاليًا بإثارة الاضطرابات بين تيار الحكيم والشعب في مدينة النجف مما يدل على أن الحكيم أيضا من ضمن الشخصيات التي سيتم الافتداء بها لاحقًا.

وفي حال فوز الدولة العميقة التي يتزعمها نوري المالكي سيحاولون الاستعانة في تنفيذ وترتيب سيطرتهم بواسطة الحشد الشعبي الذي سيصطدم مباشرة مع المرجعية لأنها هي التي أصدرت فتوى الجهاد التي بموجبها تم تأسيس الحشد الشعبي.

وسبب وقوف المرجعية مستقبلًا مع المحتجين والمتظاهرين سيكون مقدمة خطاب استقالة عبد المهدي الذي استهلّ بآية كريمة موجهة للسيستاني، حيث يقر عبد المهدي بتنفيذ أوامر المرجعية بالاستقالة أو يحاول إفهام الرأي العام بأنه أذعن لأوامر المرجع الأعلى. المقدمة ستثير تساؤلًا مباشرًا عن سبب تأخر المرجعية بإصدار الأمر والتوجيه لعبد المهدي مبكرًا قبل سقوط المئات من الشهداء بتقديم الاستقالة، وبمعنى أدق فإن المرجعية قد تكشف الغطاء عن السياسين ولن تسمح لأية جهة سياسية بالدخول تحت عباءتها من جديد بعدما حاولوا حفر خندق واسع وعميق بينها وبين الشعب.

ومن هنا فإن السياسين الذين سيتحكمون بمصير البلد سيحاولون الاستعانة بجهة أخرى لينالوا منها بركة الشرعية.

نحن إذن نعيش أجواء انقلاب وتصفية وهيمنة وجوه قديمة تصل للسلطة بقطار أو بدبابة.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس