محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

دستور 1924 وتعديلاته

لم يكتفِ مصطفى كمال أتاتورك بدستور عام 1921 إذ شرع العمل بدستور جديد وخصوصاً بعد 29 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1923، عندما أعلن المجلس الوطني التركي الكبير قيام الجمهورية التركية، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس لها بعد أربعة أشهر من إعلان الجمهورية، فقد شكل لجنة لغرض وضع دستور جديد من أحد عشر عضواً من نواب المجلس برئاسة النائب يونس ندا والتي قامت بدراسة مسودة دستور أعدت من قبل ثلاثة خبراء في القانون. على أن يؤخذ بنظر الاعتبار التطور التاريخي للدساتير التركية وهذا يعني أنّ دستور 1924 يعد مكملاً أو امتداداً  لقانون التشكيلات الأساسية. وهو بدوره مقتبس من دستور1876 العثماني.

وفي تاريخ 4 نيسان/ أبريل 1924 أقر المجلس دستوراً كاملاً مؤلفاً من 105 مادة، فزال بذلك الدستور العثماني والمواد الدستورية الإضافية وتعديلاتها من قانون التشكيلات الأساسية.

وتم تعديل هذا الدستور عدة مرات ففي تاريخ 10 نيسان/ أبريل من عام 1928 جرى تعديل المواد 2 – 16  و26 – 38، وكذلك في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1931 عدلت المادة 95 الخاصة بالموازنة، وفي تاريخ 5 كانون الثاني/ يناير 1934 عدلت المادتان العاشرة والحادية عشرة الخاصة بحق المرأة في الانتخاب ورفع سن المنتخب من الجنسين إلى عمر الثانية والعشرين، وفي تاريخ 5 شباط/ فبراير 1937 عدلت المادة الثانية للمرة الثانية، وكذلك المادتان 74-75، وفي تاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1937 عدلت المواد 24-49 و50-61.

وقد تضمن الدستور صلاحيات واضحة لرئيس الجمهورية بعكس دستور 1921، والذي لم يحدد مهام رئيس الجمهورية بصورة قطعية وثابتة.

حيث حدد هذا الدستور الصلاحيات التشريعية والتنفيذية للرئيس، فقد نصت المادة 35 على الصلاحيات التشريعية لرئيس الجمهورية باعتباره هو المسؤول على المصادقة على القوانين التي يقررها المجلس الوطني التركي ويعلنها في غضون عشرة أيام، وله الحق في إعادة القوانين التي لايوافق عليها وأيضا في غضون عشرة أيام مع وجوب بيان أسباب الرفض على المصادقة على القانون المذكور، لكن في حالة إصدار المجلس على القانون المرسل يترتب على رئيس الجمهورية المصادقة عليه وإصداره.

أما المادة 36 من الدستوروالذي ينص على أن رئيس الجمهورية هو المكلف بإلقاء خطاب افتتاح المجلس الوطني الكبيروالذي حدد في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر في الاجتماع الدوري السنوي ويتضمن الخطاب سردا لمجمل الفعاليات الحكومية وأنشطتها وكذلك توجيهاته حول البرنامج الحكومي للسنة المقبلة.

أما نص المادة 40 من الدستور فيأكد ان القيادة العليا للبلد هي للمجلس الوطني التركي الكبير ممثلا برئيس الجمهورية المنتخب من قبل النواب أنفسهم، وهو بدوره الذي يكلف عضوا من داخل المجلس لرئاسة مجلس الوزراء.

أما الصلاحيات الاخرى للرئيس فهو الذي يختار السفراء والممثلين الرسمين لدى الدول الأجنبية وكذلك هو الذي يوافق ويتسلم أوراق اعتماد  السفراء والممثلين للدول الأجنبية في تركيا.

دستور 1945

في كانون الثاني/ يناير من عام 1945 عرض الدستور من جديد على المجلس الوطني التركي الكبير فأقر الصيغة الجديدة وأبطل ما قبلها من نصوص.

وقد احتوى هذا الدستور بعد إقراره من قبل المجلس الوطني وإذاعته في كانون الثاني/ يناير 1945م على الأبواب الآتية:

- الأحكام الأساسية.

- المجلس (المجلس الوطني التركي الكبير).

- رئيس الجمهورية.

- مجلس الوزراء والوزراء.

- القضاء.

- الديوان العالي.

- حقوق المواطن التركي العامة.

- مواد متفرقة.

- الموظفون.

- المالية.

- ضوابط متعلقة بالدستور.

وتشمل الأحكام الأساسية شكل الدولة الجمهورية – كما تؤكد على أنّ الدولة التركية هي جمهورية - ملية – شعبية – دولية – علمانية – وانقلابية.

أمّا الملة أو القومية Milliyetcilik فتقتضي العمل والاستعداد للنضال والكفاح من أجل الحفاظ على الخصائص القومية للأمة التركية. أما الشعبية فهي مرادفة لمفهوم الديمقراطية لدى الكماليين والمقصود أنّ الشعب هو مصدر السلطة والدولية تعني توظيف قوة الدولة والقطاع الخاص معاً.

والعلمانية Leiklik تعني إقامة دولة دنيوية وعدم استخدام الدين لأغراض سياسية، أمّا الانقلابية فتعني عدم الاعتماد على التطور التدريجي للمجتمع بل يجب أحداث تغييرات جذرية وحازمة وبصورة مستمرة.

يشمل المجلس الوطني التركي الكبير المواد تاسعاً وحتى المادة الثلاثين.

وينص على أنّ لكل تركي أتم الثانية والعشرين من العمر حق الانتخاب ويحق لكل من أتم الثلاثين من العمر ذكراً كان أو أنثى أن يكون نائباً. ويجري انتخاب المجلس مرة كل أربع سنين وللنائب أن يرشح ثانية للعضوية، وعند عدم إجراء انتخابات جديدة تمدد المجلس سنة وقد بينت المادة 26 وظائف المجلس ومنها وضع القوانين وتعديلها وتفسيرها وإلغائها. إجراء المفاوضات مع الدول وعقد الاتفاقات وإعلان الحرب، والنظر في قانون ميزانية الدولة، إعلان العفو العام والخاص، تخفيف العقوبات وتبديلها.

ضوابط متعلقة بالدستور:

يُناط أي تعديل في الدستور بالشروط الآتية: يوقع طلب التعديل من ثلث أعضاء المجلس على الأقل، ولا يقر إلاّ بموافقة ثلثي أعضاء المجلس والمادة الأولى من هذا القانون التي تقرر النظام الجمهوري شكلاً للدولة لا يجوز تعديلها.

وقد أعطى الدستور للمجلس الوطني التركي الكبير أهمية ومكانة خاصة فهو يجمع بين سلطتي التشريع والتنفيذ معاً، كما أنه لا يُحل إلاّ بقرار منه. كما ميّز الدستور النظام التركي على أتم ما يكون ديمقراطية وشعبية وعلى أوسع ما يكون صيانةً للحريات وعلى أحرص ما يكون تقييداً لسلطات القوة التنفيذية.

وتميز الدستور الجديد باتباعه النمط الديمقراطي الليبرالي الغربي وقد رتب بعناية فائقة كي يتفادى وضع سلطة كبيرة في الجهاز التنفيذي للحكومة وتركيز السلطة الحقيقة في المجلس الوطني وكما أسلفنا.

استمرالعمل بهذا الدستور حتى عام 1961 ومنذ نشأته وحتى وفاة مصطفى أتاتورك عام 1938 الذي كان مهيمنا على السلطة التشريعية الممثلة بالبرلمان والسلطة التنفيذية المتمثلة بمجلس الوزراء، ولم تكن هناك أية عقبة أمام أتاتورك في سَنِّ ما يراه مناسبا من القوانين والقرارات في الميدانين العسكري والسياسي.

إلا أنّه بعد وفاته أصبحت المؤسسة العسكرية سلطة ثالثة في البلاد، وخصوصا أنّ رتبة قائد العسكر فوزي شاقماق كانت أعلى من رتبة رئيس الدولة عصمت إينونو.

ولهذا نرى أنّ الدستور الذي أُعِدّ بعناية لغرض تركيز السلطة الحقيقية في المجلس الوطني كان على مقاسات فترة الحكم الكمالي، وبالتالي كان غير ملائماً للفترة التي تلته، لأن انتهاء القبضة الحديدية لمصطفى كمال أتاتورك والذي كان قد كفل له الدستور ذلك الأمر، أدى إلى تعارض صلاحيات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وبرزت أولى حالات الاستعانة بالمؤسسة العسكرية كظهير لبعض أعضاء المؤسسة السياسية، في تجاوز واضح للنصوص الدستورية الذي كان قد منع تدخل الجيش في كافة الأمور السياسية.

كما أنّ المادة 102 الخاصة بالتعديلات الدستورية قد أعطت لأعضاء البرلمان حق الطلب على تعديل المواد الدستورية بصورة مباشرة. وهذه الطريقة في التعديل لازمت الدساتير التركية اللاحقة بينما طريقة نشوء الدساتير التركية كانت تتم بواسطة خبراء قانونين مختصين ثم يتم مناقشتها وبالتالي يتم التصويت عليها داخل المجلس الوطني وتعرض على الاستفتاء ثم التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية.


ويليه في الجزء الثالث دستور 1961

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس