محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

مقدمة

على إثر استسلام بلغاريا انقطعت الصلات بين الدولة العثمانية والألمانية مما زاد من الضغط على القوات العثمانية في الجنوب، الأمر الذي أدى إلى انهيار خطوط الدفاعات العثمانية الواحدة تلو الأخرى إلى أن طلبت الدولة العثمانية الهدنة. تم التوقيع على الهدنة في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 على ظهر بارجة إنكليزية رست في ساحل "مدروس" فعُرِفَت بهُدنة مدروس القاسية على الدولة العثمانية بسبب شروط الهدنة.

وكان أول شروط الهدنة وأقساها هي  أن تقوم الدولة العثمانية بتسريح معظم الجيش العثماني. وتمت مصادرة الأسلحة والمعدات من قوات الجيش المحاربة وكذلك من ثكناتها أضف إلى ذلك الاحتلال الأجنبي لأراضي الدولة قبل الهدنة. فقد احتل الفرنسيون ولاية "أضنة" كما احتل الإيطاليون ولاية "قونيا" ومدينة "أنطاليا"، والقوات الانكليزية المدعومة بقوات فرنسية احتلت "مرعش" و"أورفة" و"غازي عنتاب". واحتلت القوات الإنكليزية مدينة "سامسون" و"مرزيتون" في الشمال كما احتلت أساطيل الحلفاء مضيقي "جنق قلعة" و"البسفور"، ثم أنزلت بعض الفصائل لمدينة إسطنبول. واستغلت اليونان الهدنة وتدهور الأوضاع في تركيا، فاحتلت منطقة إزمير المقابلة لشواطئها بعد الهدنة بخمسة أشهر أي في الخامس عشر من حزيران/ يونيو 1919.

على إثر هذا السقوط أو الانهيار للدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى والذي أدى إلى اقتسام ممتلكاتها من قبل الحلفاء بعد توقيعها على هدنة مدروس في تشرين الأول عام 1918، وأحد نتائج الهدنة هي احتلال قوات الحلفاء لمدينة إسطنبول من قبل الحلفاء ممثّلة بفرق المشاة البحرية الإنكليزية في 16 آذار/ مارس 1920 والذي ترافق مع نقل قوات يونانية كبيرة إلى الأناضول لإنهاء أية مقاومة وطنية ضد الاحتلال الذي فرض السيطرة الكاملة على إسطنبول بإعلان الأحكام العرفية فيها وحل مجلس النواب وألقي القبض على عدد من أعضائه بالإضافة إلى عدد كبير من الزعماء السياسيين وقد تم نفي عدد منهم إلى جزيرة مالطة وإعدام العشرات.

وعين المحتلون مندوبيهم الساميين في إسطنبول وأعادوا نظام الامتيازات الذي ألغته الحكومة في بداية الحرب، وما رافقها من تطورات داخلية أدت إلى بروز حركة مقاومة مناهضة للوجود الأجنبي داخل الأراضي التركية هذه المقاومة تمثلت ببروز جمعيات في معظم أنحاء الأناضول والرومللي وعرفت بجمعيات الدفاع عن حقوق الولايات التي أخذت على عاتقها مقاومة الاحتلال الأجنبي وصيانة وحدة البلاد واستقلالها وقد توحدت هذه الجمعيات في ما بعد في جمعية واحدة عرفت بـ (جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول والروميللي) وهذه الجمعية تعتبر المحرك الأساسي والمتحملة للعبء الأكبر في تنظيم قيادة الحركة الوطنية التحررية في سبيل تحرير البلاد من السيطرة الأجنبية.

ويمكن القول بأن التنظيم الجيد لهذه الجمعية كان له أكبر الأثر في تحرير البلاد وكذلك في إنشاء الدولة التركية على أنقاض الدولة العثمانية المنهارة وذلك بفضل التنسيق العالي في الميدانين العسكري والسياسي، والحركة الوطنية التي كان يقودها مصطفى كمال أتاتورك القائد العسكري والذي حارب في جبهات عدة أثناء الحرب العالمية الأولى وبرز فيها كقائد عسكري ناجح، وكذلك الكلمة التي ألقاها في مؤتمر "سيواس" 4-12 أيلول/ سبتمبر 1919، والذي اعتُبِر بنظر مؤرخي النهضة التركية، مبدأ الحركة النضالية التحررية وأساس العهد الكمالي التركي الحديث - كانت بلا شك المركب الأمين الذي صعد إليه كل الأتراك والذي أوصلهم إلى بر الأمان.

بدايات الحياة الدستورية وتطورها منذ عام 1920

قررت اللجنة التمثيلية المنبثقة من مؤتمر سيواس دعوه لقيام برلمان جديد في أنقرة بأسم المجلس الوطني التركي الكبير والذي يعرف اختصارا  T.B.M.M. وقد دعا مصطفى كمال عبر البرقيات التي أرسلها الى النواب في مجلس المبعوثان العثماني والذين نجو من الاعتقال بالقدوم من إسطنبول أو من مدنهم إلى أنقرة لغرض الترشيح للانضمام إلى المجلس الوطني التركي الكبير، كما دعا أيضا إلى انتخاب مندوبين آخرين من مراكز الأناضول وغيرها من المناطق ليكون من الجميع أعضاء للمجلس الوطني الجديد. وبلغ أعضاء المجلس 233 نائبا منهم 105 نواب قدموا من إسطنبول من المجلس العثماني السابق بدعوة كان قد وجهها لهم مصطفى كمال أتاتورك.

قيام المجلس الوطني التركي الكبير

انعقد المجلس في أنقرة بعد صلاة الجمعة من يوم 23 نيسان/ أبريل 1920م وقد دشن افتتاحه بمراسم احتفالية دينية ورسمية في معظم أنحاء البلاد. وقد انتخب الزعيم مصطفى كمال رئيسا للمجلس وكانت خطبته الافتتاحية طويله وشامله تضمنت أسس الخطة التي يجب السير عليها كما قام المجلس بإقرار قانون لتشكيل حكومة يختارها المجلس من بين أعضائه على أن يكون رئيس المجلس رئيسا للحكومة المنتخبة وعلى أن تحمل اسم حكومة المجلس الوطني بحيث يبقى المجلس صاحب السلطة المطلقة في كافه الشؤن التشريعية والإجرائية.

وهكذا قامت حكومة المجلس الوطني الكبير وباشرت أعمالها في 28 نيسان/ أبريل 1920 واتخذت قرارات مهمه هي إلغاء كل المعاهدات والاتفاقيات التي عقدتها حكومة السلطان منذ توقيع هدنة مودروس مع الدول الأجنبية وكذلك كل القوانين التي أصدرتها الحكومة منذ 16 آذار/ مارس عام 1920 وهو تاريخ احتلال الحلفاء لإسطنبول وبهذا الأسلوب وضعت حكومة أنقرة حكومة السلطان خارج الإطار الشرعي والقانوني بصوره فعليه. كذلك استطاع المجلس أن يُشرّع قانون التشكيلات الأساسية والذي هو عبارة عن دستور تم العمل به منذ 20 كانون الثاني/ يناير 1921 م حتى عام 1924م وهو تاريخ وضع دستور للبلاد.

قانون التشكيلات الأساسية

منذ سنة 1920 كان المجلس الوطني التركي الكبير يناقش الاقتراحات والآراء حول لائحة دستورية يقوم عليه العهد الجديد ويوطد سلطان المجلس. إلاّ أنّ هذه المناقشات والاقتراحات كانت تخشى على مصير السلطان الخليفة ومركزه.

وقد اتفق المجلس في نهاية الأمر على إصدار بيان مقتضب بعد أن يكون أعضاء المجلس الوطني التركي الكبير قد درسوا النصوص الدستورية المقترحة. وقد حرص المجلس على النص في البيان بأن قيام المجلس وحكومته إنما هو ضمن نطاق السلطنة والخلافة.

على أثر ذلك صدر هذا القانون برقم 85 في 20 كانون الثاني/ يناير 1921 بعد أن عرضته اللجنة المؤلفة لكتابته على أعضاء المجلس الوطني في 18 أيلول/ سبتمبر عام1920 وتضمن 23 مادة ومادة مؤقتة واحدة والواضح ان هذا الدستور الذي لبى رغبة القيادة والمجلس التركي كان انعكاسا واضحا للظروف التي تمر بها تركيا وحرب التحرير قائمة.

أضيفت هذه المواد إلى الدستور العثماني لعام 1876  بشرط أن لا تتعارض الأحكام السابقة مع نصوص هذه المواد.

وخلاصة الأحكام التي احتوتها هي:

- الحكم للأمة بدون قيد ولا شرط.

- سلطات الأمة التشريعية والتنفيذية متمركزة في مجلس الأمة الذي هو ممثلها الشرعي ويجري انتخابه كل سنتين. ويظل المجلس القائم منعقدا بصورة استثنائية إلى أن تتحقق غايات الأمة النضالية في تحرير كامل الأراضي التركية.

- تدار أمور الدولة باسم المجلس. وتتولى الحكومة الأمور بالوكالة عن المجلس وتسمى بحكومة المجلس الوطني الكبير.

- تنفيذ الأحكام الشرعية وسن القوانين وتعديلها وفسخها وعقد الصلح والدفاع عن الوطن وغير ذلك من الحقوق الأساسية هي من صلاحيات المجلس الوطني التركي الكبير.

- إنّ القضاء هو جزء إداري وانضباطي في الدولة وليس شخصية معنوية.

- المواد الدستورية للدستور العثماني والذي لا يتعارض مع هذه المواد تكون سارية المفعول.

إنّ المادة الثالثة المتعلقة بتوحيد السلطات في جهاز واحد هو المجلس الوطني الكبير هو  لرغبة مصطفى كمال أتاتورك في ذلك حتى نهاية حرب الاستقلال. وقد أعطى للمجلس صلاحيات واسعة وكبيرة بالمقارنة مع دستور 1876 العثماني وهذه الصلاحيات الكبيرة التي نالها المجلس كانت ضرورية لأوضاع تركيا في تلك الفترة. كما أنّ صلاحيات واسعة نالها رئيس المجلي الوطني مصطفى كمال أتاتورك بالإضافة إلى صلاحياته كرئيس لمجلس الوزراء في حكومة المجلس الوطني وقائداً عاماً للقوات المسلحة.

وهذه ثغرة مهمة في قانون التشكيلات الأساسية لأن صلاحيات رئيس المجلس الوطني الكبير لم تكن محددة بدقة. أضف إلى ذلك أنّ مسألة التحديد الدقيق لشكل النظام السياسي الجديد لم ترد أيضاً في بنود القانون المذكور.


يليه في الجزء الثاني دستور عام 1924

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس