ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

عندما حذر كمال كليتشدار أوغلو، المنافس الرئيسي في انتخابات الجولة الثانية لاختيار رئيس لتركيا، من أن يتم التلاعب بنتائج الانتخابات من خلال مساع روسية لترجيح كفة الرئيس أردوغان، سواء بشكل مباشر من خلال التلاعب في النتائج أو من خلال تلفيق مقاطع مصورة من صناعة قراصنة إلكترونيين روس، لم يكن الأمر عبثاً، في ظل الحالة التي تشهدها الانتخابات التركية من محاولات التأثير الغربية القوية من خلال الإعلام أو حتى السياسيين الغربيين لدعمه هو شخصياً.

ولعل الرجل الذي زاره السفير الأمريكي، استوحى من زيارة السفير تلك الادعاءات التي دفع بها الحزب الديمقراطي بتدخل روسيا لصالح ترامب في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الأخير، والتي لم يظهر عليها دليل حتى بعد ست سنوات من إطلاق الادعاء، فلعل الرجل أراد مجاملة واشنطن التي قال ساكن البيت الأبيض فيها، إن (على أردوغان أن يدفع ثمنا"، وأن واشنطن عليها أن تحمس قادة المعارضة التركية حتى يستطيعوا مواجهة أردوغان وهزيمته. ليس عبر انقلاب، ليس عبر انقلاب، بل عبر العملية الانتخابية).

لكن كليتشدار أوغلو الذي يتلقى الدعم من واشنطن وعواصم أوروبية أخرى، لم يتطرق لحظة للدعم الإيراني الذي يتلقاه من طهران، هو وتحالفه وعلى رأسه حليفه حزب سعادات ذراع إيران في تركيا، بعد أن سلم نفسه للسفير الإيراني في تركيا ليتحكم في الحزب كيف يشاء، ولعل تأثير هذا الدعم الإيراني انعكس على تصريحات كليتشدار أغلو بتعريف نفسه أنه علوي، ولقائه الجماهيري الذي قدمه مقدم اللقاء بالنداء على اسمه كي يلقي كلمته، ويصبح بعدها.. (يا حسين) لتصور بعدها رئيسة حزب الجيد، وحليفة الرجل، ميرال أكشينار المعركة الانتخابية بأنها معركة بين علي ومعاوية، وأن على الجميع أن يقف خلف علي، تقصد كليتشدار أوغلو، بعدها تطلق فرية أن الرجل من نسل النبي صل الله عليه وسلم.

لكن الأخطر أن أبعاد الحرب الإيرانية على تركيا لا تقتصر على دعم مرشح رئاسي موال لها، ولكن امتدت بشكل فج في معمعة الانتخابات التركية، مستغلة انشغال الجميع بتحديد مستقبل البلاد، وأوعزت للميليشيات الموالية لها في العراق بالتنسيق مع ميليشيا حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيا، لتكون سنجار العراقية ملاذاً أمناً لها، بعد الضربات الموجعة التي وجهها لها أردوغان في جبال قنديل.

وبحسب مصادر صحفية تركية فقد عقد ضباط إيرانيون وعناصر من ميليشيا النجباء التابعة لميليشيات الحشد العراقية اجتماعاً مع ما تعرف بوحدات مقاومة سنجار، وهي ذراع ميليشيا حزب العمال الكردستاني الانفصالي في العراق، لضمان استمرار حصول الأخيرة على أسلحة وذخائر من ميليشيا الحشد العراقية بدعم من إيران، للسيطرة على الطريق الواصل بين قضاء سنجار الحدودي والحسكة في سوريا، وهو القرار الذي اتخذ لتمهيد الطريق أمام ميليشيا بي كا كا لاستخدام المنطقة الواقعة بين سنجار ومحافظة الحسكة السورية للمعابر العسكرية والمدنية، للتحرك والمناورة ومن ثم الإمداد والتموين.

ما يعني أن طهران باتت في مواجهة واضحة مُنَحيةً التُقية، التي طالما استخدمتها في التعامل مع الإدارة التركية خلال العشرين عاماً الماضية، جانباً، وكشفت عن وجهها الحقيقي في معاداة أردوغان وحزبه، بعد أن صارت تركيا منافساً قوياً على مستويات مختلفة وفي مساحات إقليمية ودولية، تضع تركيا في صدارة قيادة إقليمية في المنطقة، فإيران التي تسعى لقيادة المنطقة، بطريقتها الخاصة، سواء بالقوة الناعمة من خلال نشر المذهب، أو بالقوة من خلال الميليشيات التي توزعت في المنطقة تفرض سياسات طهران على الساسة قبل الشعوب، وهو ما جعل نائب رئيس البرلمان الإيراني منذ سنوات يتفاخر بأن قرار أربعة عواصم عربية أصبح يطبخ في المطبخ السياسي لصانع القرار الإيراني.

لـقـد كان السبب الرئيسي للتوتر في العلاقات بين كل من تركيا وإيران هــو اختلاف رؤية كل منهما حول سوريا. فعندما اندلعت الثورة نصح أردوغان الأسد أن يقوم ببعض الإصلاحات، ورغم وعود بشار لمبعوث أردوغان إلا أنه تحول إلى القمع بنصيحة من طهران التي بعثت بطلائع ميليشياتها لدعم الرجل من أجل تأسيس بيدق متقدم لها على الحدود التركية من جهة سوريا، ما دفع تركيا إلى دعم الثورة للحفاظ على الشعب الثوري من قمع النظام، وإفشال المخطط الإيراني للتقدم من جهة سوريا.

والآن، وفيما يبدو أن طهران باتت أكثر جرأة، وتسعى لزرع طابور خامس داخل تركيا نفسها بدعم أحزاب معارضة تأمل من خلالها أن تسيطر على عاصمة خامسة من عواصم المسلمين، لعل خامنئي يصوت يوماً في الانتخابات التركية.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي ومدير مركز دعم اتخاذ القرار في حزب الوسط المصري سابقا.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس