
ترك برس
في قراءة إسرائيلية لافتة لتطورات المشهد السوري، اعتبر تسفي برئيل، أحد أبرز محللي صحيفة هآرتس العبرية، أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وتنظيم "قسد" الانفصالي، يمثّل "استسلاماً للأكراد" و"إنجازاً استراتيجياً لتركيا" و"ضربة مباشرة لإسرائيل".
ويشير برئيل إلى أن المواد الأربع عشرة الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار، الموقّع يوم الأحد بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقوات الكردية، تندرج ضمن ما يصفه بسلسلة إنجازات سياسية ودبلوماسية حققها الشرع منذ وصوله إلى السلطة في ديسمبر 2024، عقب الإطاحة المفاجئة بنظام بشار الأسد.
وبرأي المحلل الإسرائيلي، فإن الأكراد ينظرون إلى الاتفاق بوصفه "هزيمة ساحقة" بل و"خيانة"، في إشارة إلى ما يعتبره تخلياً أميركياً عن التحالف التاريخي الذي ربط واشنطن بالقوى الكردية خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش.
كما يرى برئيل أن الاتفاق أنهى عملياً طموحات إقامة نظام فيدرالي كردي في شمال سوريا، على غرار النموذج العراقي، معتبراً أن انهيار ما يسميه "جدار الحماية الأميركي" يمهّد لمرحلة جديدة تضغط فيها الولايات المتحدة، بالتنسيق مع تركيا، لإعادة إخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق للسلطة المركزية.
غير أن هذه القراءة الإسرائيلية، رغم دقتها الوصفية، تعكس في جوهرها مخاوف تل أبيب أكثر مما تعكس حقيقة التحول السوري ذاته.
فمن زاوية أنقرة ودمشق، لا يُنظر إلى ما جرى باعتباره "استسلاماً"، بل تسوية سياسية متأخرة أنهت مرحلة استثنائية فرضتها ظروف الحرب والتدخلات الخارجية. كما أن سقوط خيار الفيدرالية لا يُعدّ هزيمة للأكراد بقدر ما هو عودة إلى منطق الدولة الوطنية بعد عقد من التفكك.
أما توصيف برئيل للاتفاق على أنه "إنجاز تركي"، فيتقاطع جزئياً مع الواقع، لكن ليس بمعناه التوسعي الذي يوحي به الخطاب الإسرائيلي، بل باعتباره نجاحاً في منع تشكّل كيان مسلح على حدود تركيا الجنوبية، وهو هدف أمني ثابت لأنقرة منذ عام 2012.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن اعتبار الاتفاق "ضربة استراتيجية" يكشف بوضوح طبيعة الرهان الإسرائيلي في سوريا: استمرار التفكك، وبقاء الكيانات الهشّة، واستخدام الأقليات كورقة ضغط دائمة على أي نظام مركزي في دمشق.
ويبلغ هذا القلق الإسرائيلي ذروته في حديث برئيل عن الدروز، إذ يصفهم بأنهم "الأقلية الوحيدة التي ما تزال تشكّل تحدياً لعقيدة الوحدة الوطنية السورية"، متوقعاً تصاعد الضغط الأميركي على الدروز وعلى إسرائيل معاً، لإنهاء ما يسميه "تحالف الإخوة" بين الطرفين.
لكن من منظور سوري، فإن هذا "التحالف" ليس سوى تدخل غير مباشر في نسيج اجتماعي داخلي، جرى تضخيمه سياسياً في الإعلام الإسرائيلي تحت عنوان حماية الأقليات، بينما هدفه الفعلي إبقاء خاصرة رخوة داخل الجغرافيا السورية.
بعبارة أخرى، ما تصفه هآرتس بالخسارة الإسرائيلية ليس إلا انحسار قدرة تل أبيب على الاستثمار في الانقسام السوري، في لحظة بدأت فيها الدولة السورية، بدعم تركي–أميركي متقاطع المصالح، تستعيد شكلها المركزي لأول مرة منذ 2011.
وهو ما يجعل اتفاق الشرع مع الأكراد ليس نهاية طموح أقلية، بل نهاية مرحلة كاملة من إدارة سوريا بمنطق الكيانات المؤقتة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











