إبراهيم قاراغول - يني شفق

من دون أي سبب مباشر، دفعت الولايات المتحدة وإسرائيل العالم بأسره إلى حالة استنفار على وقع «سنهاجم إيران». وجرى تفسير ردود الفعل الاجتماعية داخل إيران على أنها «انهيار إيراني وشيك».

انساقت واشنطن وتل أبيب وراء اندفاع المعارضة الإيرانية وأنصار نظام الشاه، ومع إضافة الاستفزازات الإسرائيلية وتصريحات ترامب المرتجلة، دخلت المنطقة كلها في حالة تأهب حرب.

لكن في الواقع، لم تكن هناك أي استعدادات حقيقية. فالولايات المتحدة التي أمضت عامًا كاملًا في التحضير لغزو العراق، وحشدت عشرات الدول إلى جانبها قبل أن تبدأ الهجوم، كانت هذه المرة، بدل تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، تقوم بإخلاء قواعدها، مثل قاعدة العديد الجوية في قطر.

لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تملكان القدرة على احتلال إيران، كما أن «الاحتلال من الداخل» لا يبدو ممكنًا.

ورغم لغة «الحرب»، فإن إدارة ترامب لا تعرف إيران ولا تفهمها، وكانت تتحدث بثقة زائفة مستمدة من حادثة محاولة اختطاف مادورو.

قد تُقدِم هذه العقلية فعلًا على مهاجمة إيران، وهذا احتمال قائم، لكن من الواضح أنها لم تفكر في الخطوة التالية ولم تحسب العواقب. نتنياهو كان يدرك هذا الفراغ جيدًا، وكان يسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى فخ.

كل السيناريوهات كانت مبنية على صورة نمطية لهجوم «إيران خلال 12 يومًا» في يونيو، حيث تصوّر هؤلاء أن إيران ستُدفع إلى الدفاع الداخلي، وأن «النظام انهار من الداخل، وبضربة خفيفة يمكن إسقاطه بالكامل».

لكن إيران لم تكن كذلك. قدرتها على الصمود عالية، والهجوم الخارجي وحده لا يكفي لإسقاط النظام، أما الاحتلال فغير ممكن أصلًا. لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تمتلكان القدرة أو الإمكانات لذلك، كما أن الظرف الدولي لا يفتح لهما هذا الباب.

لماذا تراجع ترامب؟ وماذا سيقول الإسرائيليون عن ذلك؟

تركيا، والسعودية، وقطر، ومعظم دول المنطقة باستثناء الإمارات، بدأت تضغط على الولايات المتحدة محذّرة من أن مثل هذا الهجوم سيكون انتحارًا. ولا تزال التفاصيل غير مكتملة، لكن فاعلية هذا الضغط ظهرت بوضوح في تصريحات ترامب الأخيرة.

قال ترامب: «توقفت الوفيات في إيران، ولن تكون هناك إعدامات». ولا بد من القول إن هذا التصريح أثار قلق إسرائيل.

فإسرائيل كانت تستعد للهجوم عبر إرسال طائرة نتنياهو إلى كريت، وتعزيز الملاجئ، ونشر أنظمة الدفاع الجوي على نطاق أوسع، تحسبًا لرد إيراني محتمل.

هل كانت الاستعدادات في الواقع لمواجهة هجوم إيراني؟

الحدث غير المسبوق هو أن الولايات المتحدة بدت وكأنها تستعد لا لهجوم على إيران، بل لهجوم إيراني محتمل. وكذلك إسرائيل، التي بدت وكأنها لا تتهيأ لضرب إيران، بل لاحتمال أن تضربها إيران.

حتى الآن، نشهد أنماطًا من الاستعداد لم نألفها من قبل، وهو ما زاد المشهد غموضًا.

من يدري؟ ربما كانوا يخططون لنوع مختلف تمامًا من الهجوم على إيران، لم نشهده من قبل. لا نعرف ماهيته ولا كيفيته.

لكن العالم بأسره متفق على أن إيران ليست لقمة سائغة. وحتى الاضطرابات الداخلية بدأت تفقد تأثيرها.

لا يمكن إسقاط إيران من الداخل عبر الأكراد والبلوش فقط. ولا يمكن لمجرد دعم هذه القوى أن يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل نصرًا. ومع غياب قدرة الاحتلال، فإن ضرب أهداف محددة لا يكفي أيضًا لإسقاط إيران.

بات ضرب إسرائيل أسهل، والجميع أدرك هذه الحقيقة

للمرة الأولى منذ عام 1973، تعرضت إسرائيل خلال حرب الأيام الـ12 لهجوم قاسٍ. الصواريخ الإيرانية فرط الصوتية أصابت تل أبيب بقوة، وأسقطت «حصانة الحماية» الإسرائيلية. وبرأيي، انهارت العقيدة الأمنية الإسرائيلية مع هذا الهجوم.

اليوم، اكتشفت دول المنطقة «سهولة ضرب إسرائيل». رأت أنها ضعيفة، مكشوفة، وأن تهورها كان نابعًا من غياب الردع، بينما تعيش في خوف عميق.

الجغرافيا سلاح، ويجب استخدام هذا السلاح ضد إسرائيل. لكن ماذا كان في تلك الطائرتين؟

صباح أمس، أُغلق المجال الجوي الإيراني فجأة. وصلت طائرات قادمة من الصين إلى إيران، في وقت لم يُعرف فيه محتوى المساعدات والدعم، ما جعل من الواضح أكثر أن طهران تستعد لشيء ما. وبعد هبوط الطائرات، فُتح المجال الجوي مجددًا. فما الذي كانت تحمله تلك الطائرات؟

دول المنطقة بدأت تتخذ خطوات لتقييد الحركة الإسرائيلية بالكامل. وما أكرره دائمًا، «الجغرافيا سلاح»، إنما يعني استخدام هذا النوع من أدوات القوة الجغرافية.

حتى الولايات المتحدة لا تستطيع إيقاف الصواريخ الإيرانية، وقد تفقد إسرائيل حقها في الوجود الجغرافي.

قد تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. نتنياهو وترامب، اللذان يقلبان المسلمات، ويستثمران في الفوضى وعدم اليقين، ولا يترددان في تبني منطق الإبادة ونهب الموارد، قد يُقدمان فجأة على ذلك.

لكن ما بعده قد يؤدي إلى إزالة إسرائيل من الخريطة الجغرافية

صواريخ إيران ستنهال كالمطر على إسرائيل، ولن تتمكن حتى الولايات المتحدة من منع ذلك. ودول المنطقة، حتى إن لم تقدّم دعمًا علنيًا لإيران، ستُغلق المجال أمام إسرائيل وتدفعها إلى الزاوية.

لم يعد أحد بحاجة إلى هذا «الحصن العسكري»

لا ننسى أن إسرائيل أُنشئت في القرن العشرين بوصفها «حامية عسكرية» للغرب للسيطرة على هذه الجغرافيا.

وفي زمن تتزعزع فيه حتى العلاقات الأميركية-الأوروبية، لم يعد أحد بحاجة إلى هذا الحصن. وبدأت تُفتح أبواب إعادة توزيع اليهود على بقاع أخرى من العالم، وإخراج إسرائيل من الخريطة.

مهما فعل نتنياهو، سيصاب بخيبة أمل في إضافة قيمة استراتيجية جديدة لإسرائيل في نظر الغرب.

الاحتجاجات داخل إيران كانت الهجوم الإسرائيلي الثاني، ولإيران حق الرد.

الاحتجاجات داخل إيران خلال الأيام الماضية كانت نوعًا من الهجوم الذي شاركت إسرائيل فيه مباشرة، ووجهته وأدارته.

بعد هجوم يونيو، شنت إسرائيل هجومًا ثانيًا على إيران من الداخل. وطهران ترى ذلك بالفعل هجومًا إسرائيليًا. فهل ترد؟ نعم، لها كامل الحق في ذلك.

هل كانت الاستعدادات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة تحسبًا لهجوم إيراني؟ هل أُخلِيت القواعد الأميركية لهذا السبب؟ وهل نُقل الإسرائيليون إلى الملاجئ تحسبًا لسيناريو غير مسبوق؟ كلها احتمالات واردة.

إسرائيل ضعيفة وخائفة، ولم يعد لديها من يدافع عنها

عدوانية إسرائيل التي أرعبت الجغرافيا كلها تجاوزت حدود الاحتمال. ودولة ترتكب إبادة جماعية لن تنعم بالسلام في هذه المنطقة.

إيران، وتركيا، والسعودية، أو أي دولة إقليمية أخرى، لن تقبل بعد الآن بمثل هذه العربدة.

أيام صعبة تنتظر إسرائيل. فهي ضعيفة، تتحرك بدافع الخوف، ولا تملك من يحميها سوى القوة الأميركية.

كانت الإمارات تتحرك مع إسرائيل على كل الجبهات، تنفذ عنها الحروب القذرة وتفكك الدول. وانظروا ما الذي حدث لها: طُردت من اليمن، وتُطرد من السودان والصومال. وإن لم تراجع حساباتها سريعًا، فوجودها نفسه سيكون في خطر.

اليونان وقبرص الرومية لا تستطيعان حماية إسرائيل، وهما عاجزتان عن حماية نفسيهما

التحالفات الحمقاء القائمة على الخوف لن تنقذ أحدًا. وحتى لو أرسل نتنياهو طائرته إلى كريت، فسيرى قريبًا أنه غير آمن هناك أيضًا.

وبالتالي، فإن جبهة إسرائيل–اليونان–قبرص الرومية ستنتهي بخسائر فادحة، وستدفع اليونان الثمن الأكبر. وكل دولة تتحالف مع إسرائيل في هذه المرحلة ستتكبد خسائر جسيمة.

أوروبا في حالة ذعر، ولا تملك ترف التفكير بإسرائيل أو اليونان

إعلان الولايات المتحدة نيتها السيطرة على غرينلاند أدخل أوروبا كلها في حالة صدمة. دول مثل النرويج وألمانيا وفرنسا وبريطانيا أعلنت استعدادها لإرسال قوات إلى غرينلاند، وبدأت الدنمارك بالفعل نشر قوات، لكن دون جدوى.

في ظل هذا العجز الأوروبي، لن يفكر أحد في إنقاذ اليونان أو قبرص الرومية. وستتفاقم الأزمة، وتنعكس على حرب أوكرانيا، وتتوسع جبهات الصراع مع روسيا.

في هذا العالم، من يلمس إسرائيل سيحترق

يجب إنشاء درع نووي إقليمي

انتقال السعودية من اليمن إلى التقارب مع الخط التركي في الصومال والسودان تطور إيجابي، ويجب أن يستمر. ينبغي تحويل الشراكة بين تركيا والسعودية وباكستان إلى محور إقليمي، وضم مصر والجزائر وإندونيسيا إليه.

كما يجب أن تتحول هذه الشراكة الدفاعية إلى شراكة نووية، فذلك شرط لحماية الجغرافيا.

لقد بلغ السكين العظم، وعلى دول المنطقة أن تتخذ قراراتها المصيرية. الصمت على إسرائيل، والتسامح مع الولايات المتحدة، لن يمنح أي دولة ضمانًا للمستقبل.

قد تكون إيران بالفعل دولة نووية

إيران التي حصلت على صواريخ إسكندر القادرة على حمل رؤوس نووية من روسيا، وعلى معدات حرب إلكترونية وطائرات وأنظمة دفاع من الصين، قد تكون تمتلك السلاح النووي بالفعل.

وهذا ما يجبر الولايات المتحدة على التفكير مرتين. وقد لا تجد إسرائيل حتى فرصة للدفاع عن نفسها.

لم يعد للولايات المتحدة قدرة على احتلال أي دولة في منطقتنا، ولا لإسرائيل قدرة على ضرب أي دولة دون أن تواجه كارثة مرتدة.

إسرائيل ستُزال من هذه الخريطة

العالم يتغير. الولايات المتحدة تنكفئ إلى قارتها، وأوروبا غارقة في قلقها، وإسرائيل ستُترك وحيدة عاجلًا أم آجلًا.

وفي عالم كهذا، تقوى تركيا، وتضعف إسرائيل.

وكلما ازدادت تركيا قوة، تقلّصت إسرائيل أكثر.

ولن يكون شيء سهلًا بعد الآن لا للولايات المتحدة ولا لإسرائيل في هذه الجغرافيا.

عن الكاتب

إبراهيم قاراغول

كاتب تركي - رئيس تحرير صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس