برجان توتار - صحيفة صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

يرى بعض المحللين أن حرب إيران عامل يسرّع من انهيار الإمبراطورية الأمريكية. ويربطون ذلك بأن الولايات المتحدة في عمليتها ضد إيران أصبحت أداة في الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل الصهيونية بدلاً من أن تعمل وفق مصالحها القومية. أما أنا فأعتقد العكس تماماً.

هذه ليست حرب أيديولوجيا أو دين. قد تكون الدوافع الصهيونية والإنجيلية قد برزت كثيراً في الواجهة، لكن هذه الحرب تعني أن فاعلاً عظمى يوظف، إلى جانب القوة العسكرية، كل عناصر القوة الناعمة لتحقيق أهدافه الجيوسياسية. كل الخيوط بيد المؤسسة الحاكمة الأمريكية. وبالتالي فإن إسرائيل ليست فاعلاً يحدد مصير إيران بقدر ما هي عامل يتم إبراز دوره بسبب الوظيفة التي يؤديها.

لا ينبغي أن ننسى أن المحرك الرئيسي لحرب التقاسم الإمبريالية هو المصالح القومية للدولة الأمريكية. وفي هذا الإطار تركز الولايات المتحدة على السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، ورأس المال المالي، والمعادن الاستراتيجية، وطرق النقل، والممرات التجارية، والمناطق ذات الأهمية الجيوسياسية العالية، وكذلك على فاعلين مثل إسرائيل. أما الهدف الأساسي فهو الحفاظ على التفوق العالمي العسكري والسياسي، ولا سيما التفوق الاقتصادي والمالي القائم على هيمنة البترودولار.

عند النظر من هذا المنظور، فإن محاولة الأوساط الصهيونية والإنجيلية إشعال حرب نهاية العالم (أرماغيدون) في الشرق الأوسط تبدو جهداً عبثياً. فبالنسبة لحرب كهذه، فإن الفاعلين الأكثر ملاءمة ليسوا إيران بل الصين وروسيا. إذ لا توجد أي دولة في الشرق الأوسط يمكنها منافسة القوة الأمريكية. بل يبدو حتى أن دول المنطقة تجد صعوبة في مواجهة إسرائيل التي تقوم بدور شرطي الولايات المتحدة.

لماذا؟ أولاً لأن الولايات المتحدة قوة نووية. وثانياً بسبب ما يُعرف بـ“خيار شمشون” لدى إسرائيل. فخيار شمشون يشير إلى عقيدة انتحارية. ويقضي هذا الخيار بأن تلجأ إسرائيل إلى استخدام السلاح النووي ضد أعدائها إذا وجدت نفسها في وضع صعب خلال حرب تقليدية.

لذلك فإن الجانب المقلق الحقيقي في البرنامج النووي الإسرائيلي ليس مجرد امتلاك هذه الأسلحة، بل كيفية التخطيط لاستخدامها. وكما نرى، فإن أمامنا ذهنية صهيونية متطرفة لا تعترف بالحدود. وعندما تضيق الولايات المتحدة الخناق عليها، فإنها تفعّل فوراً هذه الذهنية الصهيونية الإبادية. ولهذا فإن الولايات المتحدة تعتمد في إنجاح مشروعها الاستعماري الجديد ضد إيران إلى حد كبير على هذه العقلية الصهيونية والإنجيلية.

ولا ينبغي أن ننسى أن إسرائيل قامت بما عليها وأكثر في حرب التقاسم الإمبريالية هذه. وبمعنى ما، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تعترفان بالحدود إطلاقاً في تنفيذ مشاريعهما في الشرق الأوسط، بالمعنيين الحرفي والمجازي للكلمة. وقد رأينا ذلك بوضوح في غزة.

فهما يدوسان على كل الخطوط الأخلاقية والإنسانية، وكذلك على الحدود السياسية والجغرافية للدول. وكما يُذكر كثيراً في الإعلام الإسرائيلي، فإن الهدف من حرب إيران هو تغيير خرائط المنطقة بالكامل. لأن هذه الحرب تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإنهاء الوضع القائم الذي نشأ بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وفي هذا السياق يعترف الكاتب Meir Swissa في صحيفة Yedioth Ahronoth بالهدف الحقيقي بقوله:

“الحرب الإسرائيلية – الأمريكية التي بدأت ضد إيران ليست مجرد صراع عسكري. قد تكون هذه الحرب صراعاً يؤدي في النهاية إلى محو الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا عام 1916”.

وهنا بالتحديد تتجه الأنظار إلى تركيا. لأن تركيا هي العقبة الوحيدة أمام كل هذه المشاريع الفوضوية. ولهذا يخططون، من خلال “المشروع الكردي لوكالة الاستخبارات المركزية”، لجعل تركيا أيضاً ترساً في استراتيجية بلقنة إيران.

وخلاصة القول: كلما ارتفعت كلفة تغيير النظام، يزداد وزن خيار تفكيك إيران. لكنهم ينسون شيئاً واحداً: تركيا لم تعد تلك تركيا القديمة. كما أن لتركيا الآن خططها الخاصة أيضاً…

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس