ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي أفرزتها الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، وتأثيرها على أمن الطاقة والتجارة العالمية، في ظل التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية. 

وفي هذا السياق، يسلط أويصال في مقاله بصحيفة الشرق القطرية، الضوء على عودة الاهتمام بالممرات البرية، وعلى رأسها مشروع سكة حديد الحجاز، بوصفه خيارًا استراتيجيًا بديلًا يربط تركيا بالعالم العربي وصولًا إلى أوروبا. 

كما يستعرض الجذور التاريخية للمشروع في العهد العثماني، وأبعاده الاقتصادية والدينية، قبل أن يناقش فرص إحيائه اليوم في ضوء التغيرات الإقليمية، خاصة في سوريا، والدعم التركي والعربي، بما يجعله أداة محتملة لإعادة تشكيل خريطة التجارة والطاقة في المنطقة.

وفيما يلي نص المقال:

بدأت ملامح التحولات التي قد تُحدثها الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط، وبالتالي على مستوى التوازنات العالمية، تتضح بشكل متزايد. فقد انعكست تداعيات هذه الحرب على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، كما طالت السياسات الأمنية الإقليمية والدولية، إضافة إلى منظومة التحالفات والعلاقات بين أوروبا وروسيا. وفي هذا السياق، برزت تساؤلات متزايدة حول مستقبل الدور القيادي للولايات المتحدة على الساحة الدولية. ومن الناحية الاقتصادية، برز توجه نحو البحث عن مسارات تجارية بديلة، كان من بينها إعادة إحياء مشروع سكة حديد الحجاز.

مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا قد أحكمت هيمنتها على البحار الحيوية، وفي مقدمتها البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، إلى جانب سيطرتها على أهم الممرات التجارية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق جبل طارق، وقد أسهم اكتشاف النفط في تعزيز اهتمامها بالخليج وترسيخ نفوذها فيه. وفي هذا السياق، بادر السلطان عبد الحميد الثاني، بالتعاون مع ألمانيا، إلى إطلاق مشروع استراتيجي يهدف إلى إنشاء طريق تجاري بديل يربط بحر الشمال بالمحيط الهندي، كان أحد أجزاء هذا المشروع خط برلين-بغداد، الذي يربط ميناءي هامبورغ والبصرة، والجزء الآخر سكة حديد الحجاز.

بدأ إنشاء خط سكة حديد الحجاز عام ١٩٠٠، ووصل إلى المدينة المنورة عام ١٩٠٨. وخُطط لاحقًا لربطه بمكة المكرمة، ومنها إلى اليمن والمحيط الهندي. كانت لهذا المشروع أهمية استراتيجية بالغة من الناحيتين الاقتصادية والأمنية، فضلًا عن بُعده الديني العميق، إذ كان سيربط مركز الخلافة، إسطنبول، بالحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة). أثار المشروع حماسًا كبيرًا في العالم الإسلامي، وجُمعت التبرعات له. وساهم العديد من المسلمين من الهند إلى إندونيسيا، ومن شمال أفريقيا إلى البلقان، في هذا المشروع المقدس، مما عزز روح الوحدة والتضامن في العالم الإسلامي.

بفضل خط السكة الحديد، تحوّلت رحلة السفر من إسطنبول إلى المدينة المنورة من مغامرة شاقة وخطيرة أحيانًا تستغرق أسابيع إلى رحلة لا تتجاوز بضعة أيام. وشهدت المدن والبلدات والقرى الواقعة على طول خط السكة الحديد نموًا اقتصاديًا ملحوظًا، وازداد حجم التجارة. وأصبح نقل المنتجات الزراعية والسلع التجارية أسرع وأكثر أمانًا وأقل تكلفة. كما نشأت مستوطنات جديدة وتوسعت المستوطنات القائمة في المناطق التي يمر بها خط السكة الحديد. وبمجرد بدء استخدام الخط بكثافة، أصبح طريقًا رئيسيًا للحجاج من شمال إفريقيا والأناضول والبلقان، وحتى من غرب آسيا، لزيارة القدس وأداء فريضتي الحج والعمرة. وقد أسهم ذلك إسهامًا كبيرًا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة.

كان الهدف من إنشاء سكة حديد الحجاز تعزيز الأمن وضمان الإمدادات في اليمن وشبه الجزيرة العربية، وهما منطقتان أصبحتا عرضة للتدخلات العسكرية الأجنبية. وقد امتد خط السكة بمحاذاة البحر الأحمر الذي كان تحت السيطرة البريطانية، لكنه اتجه نحو الداخل بدرجة كافية لتفادي الهجمات البحرية. هذا المسار التجاري البديل أثار قلق البريطانيين بشكل كبير، فتعرضت السكة للاستهداف والتدمير خلال الحرب العالمية الأولى. وخلال تلك الحرب، عملت الإدارة العثمانية على ربط السكة بالقدس بهدف حمايتها. ومع انتهاء الحرب وخسارتها، تعرضت كل من القدس وسكة حديد الحجاز للتدهور، ولم يُعاد بناؤهما مرة أخرى.

في ظلّ التهديدات الحالية بإغلاق مضيق هرمز، والغموض الذي يكتنف مآلات الحرب، عادت سكة حديد الحجاز إلى الواجهة من جديد، مع توجهات لإحيائها وإعادة تشغيلها. ففي هذا الأسبوع، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن مشروع إحياء هذا الخط التاريخي. وبالتزامن، أكد وزير النقل السعودي صالح الجاسر أن الأعمال المرتبطة بمشروع سكة حديد يربط المملكة العربية السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا تقترب من الاكتمال، مشيرًا إلى دوره المرتقب في تعزيز حركة التجارة والنقل في المنطقة. ومن ثمّ، يتضح أن هذا المشروع، حتى وإن لم يحمل الاسم ذاته، سيؤدي وظيفة تنموية مماثلة لذلك الدور الذي اضطلعت به سكة حديد الحجاز في الماضي.

كما أسهمت التغيرات في سوريا في تسهيل إحياء هذا الخط. فوجود إدارة منسجمة مع محيطها الإقليمي، إلى جانب دعم كلٍّ من تركيا والدول العربية لوحدة الأراضي السورية واستقرارها وتنميتها، جعل من هذا المشروع ذا أهمية متزايدة. وتتمتع تركيا أصلًا ببنية تحتية قوية في مجال السكك الحديدية ومتصلة بأوروبا، ومع تجديد الخطوط في كلٍّ من السعودية والأردن وسوريا، يمكن للمشروع أن يدخل حيّز التشغيل بسهولة. كما سيسهم هذا الخط في نقل الطاقة والسلع التجارية دون التأثر بإغلاق باب المندب، وسيؤدي إلى ربط العالم العربي وتركيا وأوروبا في اتجاهين بشكل متكامل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!