
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لنضع على الطاولة بضعة أحداث راهنة على شكل عناوين. جرت الانتخابات في أرمينيا، وفاز باشينيان مرة أخرى. أمّا في ألبانيا، فإن مئات الآلاف من الألبان ينظّمون منذ أيام مظاهرات احتجاجية كبرى ضدّ قيام رئيس الوزراء راما بفتح جزيرة سازان وسواحلها المقابلة، الخاضعة للحماية، أمام النشاط السياحي. وأخيراً، تمّ توقيع اتفاقية بين قبرص الرومية وفرنسا تعمّق التقارب العسكري بينهما، وتمنح فرنسا حقّ إنشاء قواعد عسكرية ونشر قوات على أراضي قبرص الرومية.
تقع قبرص وألبانيا وأرمينيا في جغرافيات مختلفة؛ فالأولى في البحر المتوسط، والثانية في البلقان، والثالثة في القوقاز. كما أنّ الأحداث المذكورة أعلاه تتعلّق بقضايا متباينة تماماً. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كلّ منها باعتباره عنواناً مستقلاً من عناوين الأجندة ومتابعته على هذا الأساس. وهنا تكمن المشكلة بالضبط. فنحن بحاجة إلى رؤية شاملة. إن تركيا تقع في قلب هذه الدول جميعاً. ومن غير الممكن أن تمرّ هذه الأحداث دون أن تؤثّر علينا بدرجة أو بأخرى، خصوصاً إذا كانت هناك سلسلة من الروابط غير المرئية للوهلة الأولى تجمع بينها.
لقد شهدت صربيا العام الماضي حدثاً مشابهاً لما يجري في ألبانيا اليوم. فقد تقدّم كوشنر، صهر ترامب، بطلب لهدم مبنى هيئة الأركان العامة القديم الواقع في وسط بلغراد، والذي كانت الطائرات الأمريكية قد قصفته ودمّرته سابقاً، ثم تُرك محفوظاً كأطلال، وذلك بهدف إقامة فندق فاخر مكانه، وحصل بالفعل على التراخيص اللازمة. لكن الشعب الصربي، الذي شعر بأن كرامته قد جُرحت، انتفض، وتمكّن بعد أيام طويلة من الاحتجاجات المكثفة من إلغاء القرار.
واليوم، يعمل الفريق نفسه في ألبانيا من أجل جزيرة سازان وسواحلها المقابلة. فقد شاهدت السيدة إيفانكا الجزيرة خلال رحلة بحرية، وسبحت إليها، وانبهرت بما رأته. وعلى الفور دخل كوشنر على الخط، وتواصل مع المسؤولين الألبان، وشرع في التحضير لبناء منتجع سياحي هائل. وقد قدّم له المسؤولون، وفي مقدّمتهم راما، كل أنواع التسهيلات. وبعد فترة قصيرة بدأت الآليات الضخمة بالعمل في الجزيرة وعلى السواحل المقابلة لها. وأُغلقت الشواطئ أمام الناس. كما تعرّض الصحفيون الذين حاولوا متابعة التطورات لاعتداءات عنيفة من قبل حراس أمن خاص. وهذا بالتحديد ما أثار غضب الشعب الألباني وأوصله إلى حدّ الانفجار. أما بقية التطورات فما زالت ساخنة وحديثة العهد. فلنرَ ما الذي سيحدث.
ثم تبيّن لاحقاً أنّ وراء الشركات التي وضعت نصب أعينها هذه الجزيرة الطبيعية الخلابة أموالاً خليجية، وأن إسرائيل منخرطة بشكل مباشر في المشروع. كما تبيّن لاحقاً وجود ملاجئ بحرية وغواصات تحت الأرض في الجزيرة ومحيطها. والأهم من ذلك أنّ هناك أنفاقاً تمتدّ لكيلومترات، شُيّدت في عهد الحرب الباردة على يد أنور خوجة والاتحاد السوفييتي، وما زالت بحالة ممتازة حتى اليوم، إضافة إلى منشآت سكنية قادرة على تأمين حياة الناس لأشهر طويلة في حال وقوع حرب نووية محتملة.
وتتحكم جزيرة سازان مباشرةً بمضيق أوترانتو. كما أنّها تتمتّع بأهمية محورية بالنسبة لطرق التجارة والطاقة في شرق المتوسط (إيست ميد). وإضافة إلى ذلك، فهي تحتل موقعاً استثنائياً يتيح السيطرة على منطقة البلقان.
فلنتذكّر هنا مباشرةً ما قالته أورسولا فون دير لاين قبل فترة وجيزة، عندما أشارت في تصريح لها إلى أنّ توسّع الاتحاد الأوروبي في البلقان مسألة حيوية للغاية، وأنّ تسريع هذا التوسّع بات أمراً ملحّاً. ووفقاً لها، ينبغي تخفيف المعايير الصارمة للاتحاد الأوروبي فيما يتعلّق بطلبات الانضمام القادمة من دول البلقان. وهنا يكاد المرء يصرخ احتجاجاً: إذا كان ذلك ممكناً، فلماذا أمضيتم أربعين عاماً وأنتم تضيّقون الخناق على تركيا؟
لقد أصبح من الضروري أن نحفظ حقيقة أساسية عن ظهر قلب: إنهم يريدون فصل تركيا عن البلقان وعن البحر المتوسط. وهذا واضح تماماً. فلنتعرّف جيداً إلى القوى المقابلة لنا: ليست إسرائيل واليونان وقبرص الرومية وحدها، بل إن الإمارات العربية المتحدة والهند، التي أرهقها التعاون التركي ـ الباكستاني، منخرطتان أيضاً في هذا المسار. وهل يمكن لفرنسا، المتضرّرة من تنامي النفوذ التركي في أفريقيا يوماً بعد يوم، أن تقف متفرّجة؟ بالطبع لا. كما أنّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يقدّمان دعماً حاسماً لهذه العمليات.
أما بالنسبة للممر الأوسط، فينبغي متابعة أرمينيا على وجه الخصوص. نعم، لقد فاز باشينيان، وكان هذا أيضاً ما ترغب به تركيا وأذربيجان. لكن لا ينبغي التوقّف عند هذه النقطة. فقد بدأت معركة كبرى حول الممر الأوسط. إن بحر قزوين وتركستان يشهدان تصاعداً في الحراك. والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في موقع الهجوم هناك. وهم يعملون أولاً على تقويض منظمة الدول التركية من الداخل. وللأسف، يمكن القول إنهم قطعوا شوطاً لا يُستهان به في هذا الاتجاه.
فالتحاد الأوروبي يتحرك بحرية في تركستان. وهناك مساعٍ حثيثة لجرّ كازاخستان وأوزبكستان إلى المعسكر الغربي. ويمكن اعتبار التقارب الذي تحقق مؤخراً بين كازاخستان وقبرص الرومية، وافتتاح السفارات المتبادلة، وسحب كازاخستان نحو تبنّي المواقف القبرصية الرومية، ومنح الزعيم القبرصي الرومي وسام دولة في كازاخستان، من ثمار هذه الاستثمارات السياسية. كما تُدار علاقات مشابهة بين أوزبكستان وقبرص الرومية.
والآن لنتذكّر تصريحات باراك. فقد أعلن أن هدفهم هو ربط مصادر الطاقة الخليجية بمصادر الطاقة في بحر قزوين. ويمكننا بسهولة إضافة موارد شرق المتوسط إلى هذه المعادلة. كما يبدو واضحاً أنّ العقدة المركزية في هذه الخطة ستكون خطّ المشرق العربي المرتبط بإسرائيل.
وعندها يمكننا أن نفهم بسهولة لماذا تدخّل ترامب فجأة، وجمع بين باشينيان وعلييف، بدعوى تقريب وجهات النظر نحو السلام، بل وذهب إلى حدّ تغيير اسم ممر زنغزور إلى «ممر ترامب». لقد بات ينبغي لنا أن نرى بوضوح أنّ مشروع منظمة الدول التركية يتعرّض لهجوم كثيف، وأنّ الممر الأوسط يجري الاستيلاء عليه عبر ممر زنغزور وربطه بإسرائيل. ومن ثمّ فإن تقييم الانتخابات الأرمينية خارج هذا السياق سيبقى ناقصاً إلى حدّ بعيد.
وخلاصة القول؛ إن خطة متكاملة يجري تنفيذها من أجل فصل تركيا عن البحر المتوسط وقطع صلتها بالممر الأوسط. وتشكل قبرص واليونان نقطة الوصل الأساسية في هذه الخطة. وبطبيعة الحال، ستردّ روسيا، وربما الصين أيضاً، على هذا المسار في بعده الآسيوي. كما أنّ البلقان ستكون بدورها ساحة لمواجهة مماثلة. ولا بدّ أن أنقرة ترى هذه التطورات وتعمل على إعداد سياساتها وفقاً لها. وإذا شهدنا خلال الأيام المقبلة اضطرابات كبيرة في القوقاز والبلقان، فلا ينبغي أن نتفاجأ.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












