
ترك برس
يرى الكاتب التركي غورسل توكماك أوغلو أن تهديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرد على أي مصادرة أوروبية للسفن الروسية يمثل مؤشرا على انتقال التنافس بين موسكو والغرب إلى مرحلة جديدة، تتداخل فيها العقوبات الاقتصادية مع الأمن البحري والقانون الدولي.
وفي مقال نشرته صحيفة "Independent Türkçe"، قال توكماك أوغلو إن تصريحات بوتين، التي أدلى بها في 12 أغسطس/آب الجاري خلال المرحلة الختامية من تدريبات الأسطول الروسي في المحيط الهادئ قرب جزيرة ساخالين، لا تعني بالضرورة أن روسيا تتجه إلى حرب بحرية تقليدية مع الدول الغربية، وإنما تعكس تصاعد ما يعرف بـ"المنافسة في المنطقة الرمادية".
وأوضح الكاتب أن بوتين هدد بالرد على أي عملية أوروبية لمصادرة سفن تجارية روسية أو حمولاتها، مشيرا إلى أن الرد الروسي قد لا يقتصر على المياه التي تتم فيها عملية المصادرة، بل يمكن أن ينفذ "في أي مكان" تراه موسكو مناسبا، بما في ذلك منطقة مسؤولية الأسطول الروسي في المحيط الهادئ.
وبحسب توكماك أوغلو، فإن أهمية التصريح تكمن في أنه ينقل المواجهة من قوائم العقوبات إلى المجال المادي للبحار، حيث يمكن أن تتحول عمليات التفتيش أو الاحتجاز إلى مواجهات مباشرة بين السفن التجارية والوحدات العسكرية.
"الأسطول الشبح" يتحول إلى قضية أمن بحري
يقول الكاتب إن الأسطول الشبح الروسي لم يعد مجرد وسيلة للالتفاف على العقوبات والحفاظ على صادرات النفط، بل أصبح مرتبطا بشكل متزايد بقضايا الأمن البحري والاستخبارات وحماية البنية التحتية الحيوية.
ويشير إلى أن هذه السفن تعتمد في عملياتها على مجموعة من الأساليب، بينها تغيير الأعلام، وهياكل الملكية المعقدة، وتعطيل أو التلاعب بأنظمة التعريف الآلي (AIS)، إضافة إلى نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في البحر.
ويرى أن هذه الممارسات تخلق بيئة قانونية وعملياتية معقدة، لأنها تجعل من الصعب تحديد هوية السفينة ومالكها والدولة التي تتحمل مسؤوليتها القانونية.
ويضيف أن روسيا بدأت، في المقابل، تسجيل بعض هذه السفن تحت العلم الروسي، وهو ما يمكن أن يغلق إحدى الثغرات القانونية التي تسمح بتفتيش السفن التي يشتبه في كونها عديمة الجنسية.
ويقول توكماك أوغلو إن هذه الخطوة قد تحمي السفن الروسية من بعض أشكال التدخل في أعالي البحار، لكنها لا تحل المشكلات المرتبطة بالتأمين والتصنيف والسلامة، والتي يمكن أن تستخدمها الدول الأوروبية للضغط على هذه السفن.
بوتين يوسّع جغرافيا المواجهة
ويرى الكاتب أن اختيار بوتين المحيط الهادئ لإطلاق تهديده يحمل دلالة استراتيجية، إذ تريد موسكو التأكيد على أن أي ضغط على مصالحها البحرية في أوروبا يمكن أن يقابله رد في منطقة جغرافية مختلفة.
ويشير إلى أن بوتين ربط في حديثه بين قضية الأسطول الشبح والتوترات المتزايدة حول طريق بحر الشمال في القطب الشمالي، فضلا عن تنامي حضور حلف شمال الأطلسي (الناتو) في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويقول إن ذلك يعكس رؤية روسية تعتبر المجالات البحرية الممتدة من القطب الشمالي إلى المحيط الهادئ جزءا من مسرح استراتيجي واحد، وليس مناطق منفصلة.
ويضيف أن موسكو تسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز تعاونها مع دول مثل الصين والهند، في مواجهة الضغوط الغربية على تجارتها البحرية والطاقة.
لا حرب بحرية.. لكن خطر التصعيد يرتفع
يؤكد توكماك أوغلو أن التطورات الحالية لا ترقى إلى مستوى حرب بحرية شاملة، فلا توجد حاليا مواجهة بين أساطيل كبرى أو حرب غواصات مفتوحة.
لكنه يحذر من أن عتبة مهمة في المنافسة داخل المنطقة الرمادية قد تم تجاوزها، لأن الانتقال من فرض العقوبات إلى مصادرة السفن والحمولات يرفع احتمالات وقوع حوادث أو سوء تقدير أو مقاومة من أطقم السفن.
ويقول إن المشكلة الأساسية تكمن في أن السفن التجارية بدأت تكتسب وظيفة أمنية واستراتيجية، بينما أصبح من الصعب الفصل بصورة واضحة بين العناصر التجارية والعسكرية.
ويحذر من أن استمرار عمليات الاحتجاز المتبادل يمكن أن يؤدي إلى تصعيد غير مقصود، حتى في حال لم يكن أي من الأطراف راغبا في الدخول في حرب مباشرة.
القانون الدولي يتحول إلى ساحة للمواجهة
ويرى الكاتب أن التطورات الأخيرة تختبر بشكل مباشر حدود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا سيما مبدأ اختصاص دولة العلم على السفن في أعالي البحار.
ويشير إلى أن حق السفن الحربية في تفتيش السفن الأجنبية مقيد قانونا بحالات محددة، من بينها القرصنة أو تجارة الرقيق أو الاشتباه في أن السفينة عديمة الجنسية أو تستخدم علما مزيفا.
ويقول إن خصائص الأسطول الشبح، مثل تغيير العلم بصورة متكررة وإخفاء الملكية وتعطيل أنظمة التتبع، توفر للدول الأوروبية مجالا لتبرير بعض عمليات التفتيش باعتبارها مرتبطة بالاشتباه في عدم وجود جنسية واضحة للسفينة.
لكن توكماك أوغلو يحذر من أن توسيع تفسير هذه الاستثناءات قد يحول القانون البحري نفسه إلى أداة من أدوات الصراع السياسي.
ويعتبر وصف بوتين الإجراءات الأوروبية بأنها "قرصنة وسلب" تعبيرا سياسيا أكثر منه توصيفا قانونيا دقيقا، موضحا أن مفهوم القرصنة في القانون الدولي له تعريف محدد ولا ينطبق تلقائيا على عمليات تقوم بها سلطات حكومية.
التأمين والموانئ.. أدوات الضغط الأقل تصعيدا
ويلفت الكاتب إلى أن التأمين البحري وتفتيش دولة الميناء يمثلان، في رأيه، أدوات أكثر فعالية وأقل خطورة من اعتراض السفن في أعالي البحار.
ويقول إن كثيرا من سفن الأسطول الشبح تعتمد على شركات تأمين غير شفافة أو توفر مستويات أقل من التغطية التقليدية، وهو ما يزيد مخاطر الحوادث والتسرب النفطي ويجعل هذه السفن أكثر عرضة للرقابة.
ويرى أن الدول الأوروبية تستطيع استغلال هذه الثغرة من خلال تشديد متطلبات التأمين والسلامة والمسؤولية البيئية، بدلا من اللجوء مباشرة إلى القوة البحرية.
كما يعتبر تفتيش دولة الميناء من أقوى الأدوات القانونية المتاحة، لأن دخول السفينة إلى الميناء يمنح الدولة المضيفة صلاحيات واسعة لفحص وثائقها وسلامتها وتأمينها وامتثالها للمعايير الدولية.
ويقول إن هذه الإجراءات يمكن أن تفرض تكاليف اقتصادية كبيرة على الأسطول الشبح دون الوصول إلى مستوى الاحتكاك العسكري في أعالي البحار.
روسيا وإيران والصين.. شبكات متداخلة
ويشير توكماك أوغلو إلى أن ظاهرة الأسطول الشبح لا تقتصر على روسيا، إذ تستخدم إيران أيضا شبكات بحرية مشابهة للحفاظ على صادراتها النفطية رغم العقوبات، بينما تعد الصين من أبرز المشترين للنفط الروسي والإيراني.
ويقول إن الدول الثلاث تستخدم، بدرجات مختلفة، أدوات متشابهة مثل إخفاء بيانات الملاحة، ونقل النفط بين السفن، وتغيير الأعلام، والاستفادة من هياكل ملكية معقدة.
لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني وجود أسطول موحد تديره الدول الثلاث، وإنما شبكات متداخلة تستفيد من الأدوات نفسها والبيئة القانونية ذاتها.
ويرى أن المنافسة الناتجة عن ذلك أصبحت متعددة المناطق، وتمتد من بحر البلطيق وبحر الشمال إلى مضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي.
تركيا أمام معادلة حساسة
ويرى الكاتب أن هذه التطورات تهم تركيا بشكل مباشر، بالنظر إلى موقعها عند ملتقى البحر الأسود والبحر المتوسط وإشرافها على مضيقي البوسفور والدردنيل.
ويقول إن توسع عمليات اعتراض السفن أو احتجازها يمكن أن يفرض على أنقرة معادلة دقيقة تجمع بين حماية حرية الملاحة والتجارة من جهة، والحفاظ على الاستقرار في البحر الأسود وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والغرب من جهة أخرى.
ويضيف أن أي ارتفاع في المخاطر المرتبطة بالنقل البحري والتأمين سينعكس أيضا على تكاليف الطاقة والتجارة، ما يجعل قضية الأسطول الشبح ذات أبعاد اقتصادية بالنسبة إلى تركيا، وليس فقط عسكرية أو قانونية.
"حرب ظل" قد تعيد تشكيل النظام البحري
ويخلص توكماك أوغلو إلى أن ما يجري لا يمثل عودة إلى الحروب البحرية التقليدية، بل يعكس نمطا جديدا من الصراع تستخدم فيه السفن التجارية وشركات التأمين والموانئ وأنظمة التتبع وسجلات الملكية كأدوات للضغط الاستراتيجي.
ويقول إن تهديد بوتين بالرد على مصادرة السفن الأوروبية ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد تصريح سياسي، بل باعتباره تحذيرا من أن المواجهة حول العقوبات الروسية تقترب من المجال المادي للملاحة البحرية.
ويحذر الكاتب من أن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في اندلاع حرب بحرية شاملة، وإنما في تآكل قواعد حرية الملاحة والقانون البحري تدريجيا نتيجة استخدام كل طرف للثغرات القانونية بما يخدم مصالحه.
ويختتم توكماك أوغلو تحليله بالتأكيد على أن "الحرب البحرية الجديدة" قد تكون حربا بطيئة ومنخفضة الكثافة، لا تبدأ بإطلاق النار بين السفن، وإنما بتراكم عمليات التفتيش والمصادرة ورفع تكاليف التأمين وتغيير مسارات التجارة.
وبرأيه، فإن التحدي الحقيقي أمام النظام البحري الدولي في السنوات المقبلة لن يكون فقط منع اندلاع حرب بحرية كبرى، بل منع تحول البحار إلى ساحة دائمة لـ"حرب ظل" تتآكل فيها القواعد القانونية تدريجيا تحت ضغط الصراع الجيوسياسي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











