
د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
إن السؤال عن سبب توقيع الاتفاق الذي أنهى حرباً في قصر فرساي قد يقول أحياناً أكثر من محتوى الاتفاق نفسه. فالتاريخ يجعل من الأماكن مسارح تكشف علاقات القوة والرسائل السياسية والتدرج الدبلوماسي في الهرم الدولي.
إن توقيع اتفاق إسلام آباد بين دونالد ترامب وإيران، والذي أوقف التصعيدات بين الطرفين، في فرساي، لا يمكن اعتباره خيار استضافة عابراً أو صدفة بروتوكولية.
يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يترك هذا الاختيار للصدفة. فمع دخوله السنة الأخيرة من ولايته، لم يكن يريد أن تبقى أوروبا على هامش عملية إنهاء الحرب كما كانت في بدايتها.
وبينما كانت التحركات العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل تتشكل إلى حد كبير خارج أوروبا، كانت فرنسا تبحث عن مساحة يمكن أن تكون جزءاً من المخرجات الدبلوماسية. ومن هذا المنظور برز فرساي كأداة سياسية تتيح لفرنسا ترك بصمتها على المسار.
معروف منذ زمن طويل أن دونالد ترامب يفضل الأماكن الفخمة والرموز التاريخية والمشاهد الكبرى. وعند دخوله القصر قال: "ليس مطلياً بالذهب، لكنه الحقيقي"، في إشارة إلى إعجابه بالمكان. وهكذا تحولت عظمة فرساي إلى جزء من الأجواء الدبلوماسية.
من قاعة المرايا إلى الأبواب المذهبة، شكّلت رمزية القصر وثقله التاريخي إطاراً نفسياً يتجاوز التفاصيل التقنية للمفاوضات.
فالمسارات الدبلوماسية لا تتشكل فقط عبر النصوص الموقعة، بل أيضاً عبر الصور التي تبقى في الذاكرة. وربما لم تكن فرنسا أحد الفاعلين الأساسيين في تحديد مضمون الاتفاق، لكنها استطاعت عبر المكان أن تكتب اسمها في السرد السياسي للعملية.
ظل عام 1919
عندما يُذكر فرساي، فإن أول تاريخ يتبادر إلى الذهن هو عام 1919.
فبعد الحرب العالمية الأولى، كان اتفاق فرساي المفروض على ألمانيا أحد الأسباب التي مهدت لكوارث لاحقة.
فالتعويضات الثقيلة والقيود العسكرية وشعور الإهانة الوطنية مهدت لصعود التيارات الراديكالية في السياسة الألمانية. ولذلك فإن الذاكرة الدبلوماسية لفرساي تحمل في طياتها معنى النصر ومعنى الانتقام في آن واحد.
أما الاتفاق الموقع اليوم في القاعة نفسها، فيقوم ظاهرياً على منطق مختلف.
ففي فرساي عام 1919 فُرضت التزامات قاسية على الطرف المهزوم، بينما في الاتفاق الجديد تبرز الحوافز الاقتصادية. إذ تشمل البنود إعفاءات من العقوبات على إيران، وتحرير الأصول المجمدة، وصناديق لإعادة الإعمار، ما يعكس مقاربة تمزج بين الضغط والتحفيز.
وبهذا المعنى يوجد انعكاس تاريخي بين فرسايين. ففي الأول كان العقاب هو الأساس، بينما في الثاني تُستخدم الأدوات الاقتصادية لتجميد الصراع.
لكن هذا لا يجعل الاتفاق أكثر صلابة، بل يجعله في بعض الجوانب أكثر هشاشة.
فجوهر الاتفاق لا يقوم على حل سياسي دائم، بل على توازن مؤقت. فملفات مثل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني، وإعادة فتح مضيق هرمز، ووقف العمليات في الساحات الإقليمية، لا تُنهي الخلافات الأساسية بين الأطراف.
أما مستقبل البرنامج النووي، والتنافس على النفوذ الإقليمي، وبنية الأمن الإقليمي، فقد تُركت لمفاوضات لاحقة.
لذلك يمكن قراءة المشهد ليس كاتفاق سلام، بل كمحاولة لتأجيل صراع جديد.
وتعكس تصريحات ترامب بعد الاتفاق، والتي قال فيها إنه "إذا لم تُحترم القواعد فسنضرب مجدداً"، هذه الهشاشة. فالجمع بين لغة وقف إطلاق النار وتهديد استخدام القوة في آن واحد، يكشف استمرار انعدام الثقة بين الأطراف.
معادلة واشنطن الصعبة
من أبرز جوانب الاتفاق التحدي السياسي الذي يواجهه ترامب في إقناع قاعدته الداخلية بالتنازلات.
فالتسهيلات الاقتصادية المقدمة لإيران تثير انتقادات داخل الدوائر المتشددة في واشنطن.
وتحاول الإدارة الأمريكية الرد على هذه الانتقادات عبر تبريرات اقتصادية، مؤكدة أن صناديق إعادة الإعمار لن تموّل من الميزانية الأمريكية مباشرة، بل من دول الخليج ومستثمرين خاصين.
كما تُبرَّر عملية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة عبر خطاب يتعلق بالنظام المالي العالمي ومكانة الدولار كعملة احتياطية.
ويهدف هذا الخطاب إلى تقديم الاتفاق ليس كتراجع، بل كترتيب براغماتي يضبط التكاليف. إلا أن هذه الدفاعات نفسها تكشف أن الاتفاق محل جدل داخل واشنطن.
الاهتزاز الحقيقي في الجبهة الإسرائيلية
لكن الأثر السياسي الأبرز للاتفاق لا يظهر في إيران بقدر ما يظهر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالتقارير تشير إلى وجود تباينات جدية بين الحليفين اللذين عملا بتنسيق وثيق خلال الحرب.
وتفيد معلومات بأن واشنطن أبدت تحفظات على بعض الخطط العسكرية، ولم ترغب في توسع أكبر للصراع، كما لم تدعم بعض العمليات.
كما أن تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس المنتقدة للمقاربة الأمنية الإسرائيلية تؤكد أن الخلاف لم يعد محصوراً في الكواليس.
وفي إسرائيل، تتزايد حالة عدم الرضا. إذ تشير استطلاعات حديثة إلى تراجع الثقة في التزام إدارة ترامب بأولوية المصالح الإسرائيلية، إلى جانب تصاعد الانتقادات لأداء حكومة بنيامين نتنياهو في الحرب والدبلوماسية.
ويكشف هذا المشهد أن الإنجاز العسكري لا يساوي بالضرورة نتيجة سياسية. فقد تحقق لإسرائيل بعض المكاسب ميدانياً، لكن مع تقدم المسار الدبلوماسي أصبحت الفجوة بين أولويات واشنطن وتوقعات تل أبيب أكثر وضوحاً.
رسالة فرساي
في عام 1919، كان القصر مكاناً لفرض شروط المنتصرين على المهزوم.
أما اليوم فهو يشهد توتراً مختلفاً.
فالصراع لا يدور بين منتصر ومهزوم، بل بين أطراف في المعسكر نفسه تختلف أولوياتها. ولا يزال مصير اتفاق إسلام آباد غير محسوم.
فملفات البرنامج النووي الإيراني، وبنية الأمن الإقليمي، وانعدام الثقة بين الأطراف، لم تُحل بعد.
ومع ذلك، يكشف الاتفاق حقيقة مهمة: مصالح واشنطن لا تتطابق دائماً مع توقعات حلفائها.
لذلك فإن توقيع فرساي لا يمثل مجرد وقف إطلاق نار، بل يكشف التصدعات داخل التحالف نفسه.
وهنا تكمن مفارقة التاريخ.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











