
بارتو إيكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
في الأيام الماضية، أعاد خطاب أُلقي في البرلمان الأوروبي طرح سؤال لم يُطرح بصوت مرتفع في بروكسل منذ سنوات طويلة. فقد قال النائب الألماني توماش فروليش إن تركيا لم تعد بحاجة إلى الاتحاد الأوروبي. والأكثر لفتاً للانتباه أنه حمّل بروكسل، لا أنقرة، مسؤولية ذلك.
قد يبدو هذا التصريح للوهلة الأولى وكأنه موقف غير مألوف من اليمين المتطرف في ألمانيا تجاه تركيا. إلا أن هناك حقيقة أكبر بكثير تكمن في صلب هذا النقاش.
نهاية الانتظار الطويل
لقد تغيرت العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي بصورة جذرية خلال العقدين الماضيين.
في مطلع الألفية الجديدة، كانت عضوية الاتحاد الأوروبي أهم أهداف السياسة الخارجية لتركيا. وتم تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإعداد حزم خاصة بالديمقراطية. كما فُتحت فصول التفاوض...
وقد بذلت أنقرة طاقة سياسية كبيرة من أجل التوافق مع المعايير الأوروبية. وفي تلك الفترة كانت المعادلة بسيطة: كانت تركيا تحاول الاقتراب من أوروبا، بينما كانت بروكسل تُبقي الباب موارباً.
غير أن السنوات التي تلت ذلك غيّرت هذه الصورة. فقد توقفت المفاوضات، ولم تُفتح فصول جديدة، ولم يتحقق تحرير التأشيرات. وأصبح أفق العضوية الكاملة أكثر غموضاً يوماً بعد يوم.
وخلال هذه العملية، لم يكن موقف أوروبا وحده هو الذي تغير، بل تغيرت تركيا أيضاً...
ميزان القوى وصل إلى نقطة مختلفة
اليوم، لم يعد الاتحاد الأوروبي يواجه تركيا عام 2005.
فهناك دولة أنشأت إلى حد كبير صناعاتها الدفاعية الخاصة.
وهناك دولة تقع في مركز ممرات الطاقة.
وهناك دولة تتمتع بموقع استراتيجي حيوي بين البحر الأسود والقوقاز والبلقان والبحر المتوسط والشرق الأوسط.
وقد جعلت التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فالحرب الروسية الأوكرانية هزّت البنية الأمنية الأوروبية.
كما أثقلت أزمة الطاقة كاهل الاقتصاد الأوروبي.
وأدى ضغط الهجرة إلى مواجهة العديد من الحكومات الأوروبية أزمات سياسية داخلية.
وفي جميع هذه الملفات برزت تركيا بوصفها فاعلاً رئيسياً.
وأصبح ترف تجاهل أنقرة من جانب بروكسل يتقلص تدريجياً.
جدل المعايير المزدوجة على الأجندة
كان الجزء اللافت في خطاب توماش فروليش هو انتقاده لخطاب أوروبا المتعلق بالديمقراطية والقيم.
وهذا النقاش ليس جديداً.
فمنذ سنوات طويلة تؤكد تركيا أن الاتحاد الأوروبي يخفف المعايير السياسية في بعض القضايا ويشددها في قضايا أخرى.
فعندما تكون هناك حاجة إلى تركيا في ملف الهجرة، تُطلق دعوات للتعاون.
وعندما يتعلق الأمر بالأمن، يجري التشديد على أهمية تركيا.
وفي مجال الطاقة، يتم إبراز دور أنقرة.
أما عندما يُطرح موضوع العضوية، فإن العملية تعود إلى حالة الجمود من جديد.
وقد أصبح هذا الوضع أحد العوامل التي قلّصت تدريجياً تأثير أوروبا على تركيا.
لأن الثقة مهمة في السياسة الخارجية، لكن الاتساق لا يقل أهمية عنها.
نموذج شراكة جديد
اليوم يتحدث عدد متزايد من الأشخاص في بروكسل ليس عن هدف العضوية الكاملة، بل عن نماذج جديدة للشراكة.
الطاقة، والتجارة، والدفاع، وإدارة الهجرة، والتكنولوجيا...
فالعلاقة بين الطرفين تتشكل بصورة متزايدة من خلال هذه المجالات.
وهذا الواقع يعكس في الحقيقة الوضع الجديد الذي قبله الطرفان عملياً.
فتركيا ما زالت جزءاً من أوروبا.
لكن هذه العلاقة لم تعد تُدار من خلال منظور العضوية، بل من خلال الاحتياجات المتبادلة.
ما الذي تغير فعلياً؟
ربما يكون أكبر تحول خلال العقدين الماضيين قد حدث هنا.
في السابق كانت تركيا تناقش كيفية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
أما اليوم فإن الاتحاد الأوروبي يناقش كيفية العمل مع تركيا.
قد لا يبدو هذا الفارق صغيراً.
لكن النفسية التي تحكم المرحلتين مختلفة تماماً.
فأنقرة لم تعد في موقع الطرف الذي ينتظر العضوية.
كما أن بروكسل لم تعد تؤمن بالقدر نفسه بأنها تستطيع إدارة المشكلات الإقليمية مع استبعاد تركيا.
ولهذا تكتسب تصريحات توماش فروليش أهمية خاصة.
لأن الفكرة التالية طُرحت للمرة الأولى بهذه الصراحة من على منصة البرلمان الأوروبي...
إن القضية لم تعد ما إذا كانت تركيا بحاجة إلى أوروبا، بل كيف ستبني أوروبا علاقة مع تركيا.
ويبدو أن هذا سيكون النقاش الرئيسي على خط أنقرة – بروكسل خلال السنوات المقبلة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











