ترك برس

فرض التصعيد في مضيق هرمز نفسه على قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة، بعدما دفعت الهجمات على السفن التجارية الحلفاء إلى بحث خيارات حماية الملاحة، وسط تحذيرات من انزلاق التوتر إلى مواجهة بحرية مفتوحة.

وشهدت الساحة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط تصعيدا متزامنا مع انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة. ونقل موقع أكسيوس عن مصادر أمريكية بأن بحرية الحرس الثوري الإيراني استهدفت سفنا في مضيق هرمز، مما يضع أمن الملاحة الدولية أمام منعطف حرج بالتزامن مع المحادثات الجارية بين قادة الحلف.

وردت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بضربات وصفتها بـ"الانتقامية" ردا على الهجمات الإيرانية على 3 سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، متوعدة إيران بـ"دفع ثمن باهظ لاستهداف السفن التجارية ومهاجمتها".

وأعلنت بريطانيا وفرنسا -في بيان مشترك للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر- الجاهزية التامة لنشر بعثة عسكرية متعددة الجنسيات بهدف حماية حرية الملاحة.

وجاء ذلك تزامنا مع ترحيب باريس بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بوصفها خطوة إستراتيجية للاستقرار الإقليمي. ودعما لهذا التوجه، كشف ماكرون عن تحريك قطع بحرية فرنسية متخصصة، تضم كاسحتي ألغام وفرقاطتين لضمان المرور الآمن، بحسب تقرير لـ "الجزيرة نت".

وفي سياق متصل، أكد وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو للجزيرة وجود مبادرات موازية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) للتحضير لنشر كاسحات ألغام إضافية. وشدد الوزير البلجيكي على أن تحرك الحلف ينطلق من عقيدة دفاعية بحتة، ولا يعني مطلقا الانخراط في مواجهة عسكرية.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده مستعدة لعملية محتملة لإزالة الألغام في مضيق هرمز.

وفي المقابل، أعلن مقر "خاتم الأنبياء" الإيراني رفض طهران القاطع لأي تدخل أمريكي في شؤون مضيق هرمز أو أي محاولة لإدارته. وتوعد المقر العسكري برد قاصم على ما وصفه بـ"العدوان الإرهابي الأمريكي".

وضمن رسالة ميدانية مباشرة للأسطول الدولي، شدد البيان على أن المسار الذي تحدده إيران حصريا هو الممر الآمن والشرعي الوحيد لعبور السفن، معلنا سقوط أي معادلة دولية تحاول تجاوز الإدارة القانونية الإيرانية للمضيق.

سيناريوهات مستقبلية

بناء على معطيات التصعيد الصاروخي واجتماع حلف الأطلسي، تلوح في الأفق 3 سيناريوهات مرتقبة لرسم ملامح الصراع الملاحي، حسب طرح محللين على شاشة الجزيرة:

السيناريو الأول: التدويل العسكري والدخول في مواجهة محدودة (ترجيح متوسط)

يفترض هذا السيناريو نجاح إدارة ترمب في انتزاع تفويض جماعي من قمة "الناتو" لتشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية الناقلات ومرافقتها قسرا عبر المسار الدولي وممر عُمان الجنوبي بغاطسه العميق (بين 65 و110 أمتار). هذا الخيار سيعني صداما تكتيكيا مباشرا بين القطع الغربية وزوارق الحرس الثوري السريعة، وهو ما قد يستدعي ردا عسكريا أوسع.

السيناريو الثاني: حرب استنزاف بالوكالة وتكريس تراجع الملاحة (الترجيح الأعلى)

يقوم على استمرار طهران في تفعيل "الفيتو الصاروخي" غير المعلن والتشويش اللاسلكي، مما يبقي معدلات العبور منخفضة. يهدف هذا التكتيك الإيراني البطيء إلى الضغط على أسواق الطاقة العالمية للتعجيل بالوصول إلى "جولة مفاوضات الدوحة الشاملة" المقررة في 11 يوليو/تموز الجاري، لانتزاع مكاسب مالية والإفراج عن الأموال المجمدة دون تقديم تنازلات سيادية في المضيق.

السيناريو الثالث: التراجع الإيراني والالتزام بحدود التهدئة الحذرة (ترجيح منخفض)

ويتضمن استجابة طهران للتحذيرات الصارمة لقمة أنقرة ووقف عمليات التعرض للسفن تجنبا لعقوبات أطلسية خانقة، والعودة لبروتوكول "المحافظة على الوضع القائم" حتى تتضح ملامح الصفقة الكبرى مع واشنطن.

ويظل هذا السيناريو مستعصيا ومستبعدا في الوقت الحالي في ظل حاجة إيران لإثبات قدرتها على المناورة وهز استقرار أسواق الطاقة كأوراق ضغط أخيرة.

قدرات الناتو البحرية

وحول مآلات التصعيد والقدرة على حشد قوة بحرية مشتركة لكسح الألغام في الخليج، قدم الخبير في الدراسات الأمنية بمعهد الدوحة مهند سلوم قراءة إستراتيجية مغايرة للداخل الأوروبي.

وأكد سلوم أن الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تمتلك القدرات العسكرية والفنية الكاملة للتدخل البحري وتأمين المضيق إذا ما اتخذ القرار السياسي، نافيا أن تكون الحرب الأوكرانية قد استنزفت قدراتها البحرية البنيوية.

وأوضح سلوم أن أمن هرمز يمس مباشرة معيشة المواطن الأوروبي وأسعار الطاقة في القارة، بالإضافة إلى التزاماتها الأمنية مع الحلفاء في الخليج على غرار قطر والسعودية والإمارات والكويت.

وإذا ما استمرت طهران في استخدام المضيق ورقة للضغط الاقتصادي، فإن ذلك قد يدفع المنظومة الأوروبية للتموضع ميدانيا إلى جانب أمريكا وإسرائيل لخوض مواجهة بحرية شاملة تضمن بقاء المضيق مفتوحا وفقا لقانون البحار الدولي، وهو السيناريو الذي تحاول طهران تلافيه عبر حصر أمن الممر تنسيقيا بينها وبين سلطنة عُمان.

صراع المسارات البحرية

وفي سياق متصل، سلّطت التغطيات الضوء على المسارات البحرية التي تحكم حركة المرور في المضيق، ودلالات التحركات الأخيرة، إذ أشارت المعلومات إلى تعرض ناقلة النفط القطرية "الرقيّات" لاستهداف مباشر في الممر المائي.

وأعاد الحادث إبراز الصعوبات، بعد محاولة الناقلة العبور من الساحل الجنوبي للمضيق بمرافقة وتأمين من قطعات عسكرية أمريكية، قبل أن يوجه إليها الحرس الثوري الإيراني تحذيرات بمنع المرور بدعوى عدم أمان المسار، متبعا ذلك باستهدافها عقب عدم الاستجابة للتحذيرات.

ويرى متخصصون أن الصمت الإيراني الرسمي حيال الحادثة يعكس رغبة طهران في توجيه رسائل سياسية غير مباشرة، خصوصا أن الهجوم يتزامن مع ترتيبات قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، ويسعى لفرض واقع ميداني يمنع تدويل أمن المضيق أو إدخال كاسحات ألغام غربية خارج إطار تنسيق الدول المشاطئة.

وردت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بضربات وصفتها بـ"الانتقامية" ردا على الهجمات الإيرانية على 3 سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، متوعدة إيران بـ"دفع ثمن باهظ لاستهداف السفن التجارية ومهاجمتها".

خلافات تقاسم الأعباء

وعلى صعيد هيكلية حلف شمال الأطلسي، أعلن الأمين العام للحلف مارك روته عن إبرام صفقة لشراء 12 طائرة نقل عسكري إستراتيجي من طراز إيه 400 إم، من شركة إيرباص لتعزيز القدرات الدفاعية واللوجستية للحلفاء.

وشدد روته على ضرورة رفع الكفاءة الإنتاجية والعسكرية لكون بناء الناتو أقوى يسهم مباشرة في جعل أوروبا أكثر قوة وأمانا في مواجهة التحديات الإقليمية.

وفي المقابل، كشف مراسل الجزيرة فادي منصور عن وجود تباينات داخل أروقة الحلف جراء رغبة الإدارة الأمريكية في إعادة النظر في انتشار قواتها بالقارة الأوروبية وتطبيق إستراتيجية صارمة لتقاسم الأعباء المالية.

وتطالب واشنطن الدول الأعضاء بالالتزام برفع مخصصاتها الدفاعية لتصل إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي لكل دولة، بالتزامن مع بروز خلافات أخرى مع بعض العواصم مثل إسبانيا بسبب القيود المفروضة على حركة سلاح الجو الأمريكي في أجوائها وقواعدها العسكرية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!