تونجا بنغين - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس

ما الذي كان رد بنيامين نتنياهو على طلب ترامب منه تقليص الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا، والبدء أيضًا بالانسحاب من لبنان؟ كان الرد، مرة أخرى، الهجوم... تمامًا كما يفعل في غزة. فمن المفترض، وبضغط من ترامب على نتنياهو، أن يكون هناك وقف لإطلاق النار في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، ونحن الآن في المرحلة الثانية منه. لكن إسرائيل تواصل، وفق ما يحلو لها، شن الهجمات وارتكاب المجازر. أما ممارساتها الدنيئة المتمثلة في منع دخول الاحتياجات الأساسية والمستلزمات الطبية، فما زالت مستمرة بلا انقطاع منذ البداية. ومن بين الخطوات المفترضة في المرحلة الثانية أيضًا خطة لانسحاب إسرائيل بشكل أكبر من غزة. لكن دعك من الحديث عن انسحاب أكبر أو أقل، فحتى الآن لم تنسحب إسرائيل من أي مكان، وما زالت متمركزة حيث هي.

من جهة، هناك ترامب الذي تُثار الشكوك باستمرار حول جديته وصدقيته في أقواله وتصرفاته، ومن جهة أخرى هناك نتنياهو الذي يبدو وكأنه يفهم حتى عبارات من قبيل "انسحب من هناك" أو "توقف الآن" على أنها أمر بـ"الهجوم"... وفي هذه الحالة، ورغم أن الانطباع السائد هو انعدام الثقة، فإن ما يبقى محل نقاش وتساؤل هو بالطبع تصريحات ترامب. أما نتنياهو، فهو أصلًا حالة سريرية... لقد تشكّلت برمجته النفسية على نحو منحط إلى درجة أنه لا يرى خلاصًا إلا في العنف، ويعيش حالة من الجنون وانعدام الوعي في تأجيج النار. ويظن أنه ما دامت الحرب والصراع مستمرين، فلن تُطرح أخطاؤه ولن يُناقش موقعه داخل بلاده... كما أنه يتجاهل تزايد ردود الفعل الغاضبة والسخط ضده حتى داخل المجتمع الإسرائيلي.

وعند النظر إلى هذا المشهد، فإن السؤال الأكثر أهمية بشأن تصريحات ترامب، المعروف بتقلباته، هو: هل هو صادق هذه المرة في تحذيراته لنتنياهو، وهل يريد فعلًا انسحابه؟ ففي نهاية المطاف، كان ترامب نفسه، خلال ولايته الرئاسية الأولى، هو من اتخذ خطوات الاعتراف بالقدس بأكملها "عاصمة لإسرائيل"، والاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية المحتلة... وهو أصلًا من دلّل نتنياهو إلى هذا الحد ومنحه كل هذا القدر من الجرأة. ولذلك فإن تحذيرات ترامب الأخيرة لنتنياهو تمثل أيضًا اختبارًا لصدقيته هو نفسه... فهو يبدو وكأنه يوجّه رسائل إلى نتنياهو وإسرائيل ويصارعهما، لكن المعيار الحقيقي هو إلى أي مدى يتمسك بكلامه وسيتمسك به حتى يجتاز هذا الاختبار. فهل يمكن لترامب، على سبيل المثال، أن يتراجع عن أخطاء ولايته الأولى ويقول إن مرتفعات الجولان أرض سورية؟ وهل يستطيع أن يقول ذلك؟ فإذا قالها، فمن الواضح أنه سيضع نتنياهو وإسرائيل في مأزق كبير.

لقد قال ترامب في ولايته الأولى، وكأن الجولان ملك خاص لوالده، إنه "أعطاه" لإسرائيل. لكن قوله ذلك لا يجعل الأمر واقعًا. فالجولان رسميًا أرض سورية، وهو اليوم تحت الاحتلال.

نعم، ترامب لا يكف عن الحديث بإيجابية عن الشرع في كل مناسبة، كما أن تحذيراته لنتنياهو نابعة من تعارض تصرفاته مع المصالح الأمريكية. غير أن الأراضي التي تركز عليها إسرائيل أكثر من غيرها، وتتدخل فيها، هي سوريا ولبنان... وفي هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة، التي انتهجت سياسة شديدة الانحياز لإسرائيل، تحاول الآن بناء أجواء من الثقة مع دول المنطقة. لكن هذا لا يعني بالطبع أن العلاقات مع إسرائيل قد انقطعت أو أنها في طريقها إلى الانقطاع. فترامب يريد فقط أن يقول: نعم، أنا أدعم إسرائيل، لكنني لا أوافق على ما يفعله نتنياهو. فهو بات يتعرض لانتقادات كبيرة بسبب ممارسات نتنياهو. وليس لأنه يحب سوريا أو ما شابه ذلك. بل لأن مصالحه لم تعد تتطابق مع مصالح إسرائيل. إنه يريد الحفاظ على علاقة جيدة مع إدارة الشرع، وذلك بفضل تركيا بالطبع... إن حقائق الميدان والواقعية السياسية هما ما يدفعان ترامب إلى ذلك.

ومن ثم، فإن كبح جماح نتنياهو، الذي يخاطبه ترامب بـ"بيبي"، وقدرته على كبحه، أمر بالغ الأهمية بالنسبة لترامب نفسه أيضًا. فمن عقلية مريضة تتعرض باستمرار للإهانة والتوبيخ من قبل ترامب، يمكن توقع كل أنواع الجنون. وبالفعل، بدأ الحديث فجأة في الآونة الأخيرة عن مزاعم بشأن خطط إيرانية لاغتيال ترامب... أما هذا النشاط الاستخباراتي المضاد "المذهل" (!) فهو يحمل توقيع الموساد... وصحة هذه المزاعم مسألة أخرى محل جدل بالفعل، لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو:

هل يحاول الموساد، الذي يقول إنه يمتلك معلومات استخباراتية تفيد بأن طهران قد تغتال ترامب، اغتيال الرئيس الأمريكي الذي بات منزعجًا من سياساته، ثم إلصاق التهمة بإيران؟

إن مجرد التفكير في مثل هذا الاحتمال يبعث على القلق، لكن سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، فإن مجرد تسريب هذا الادعاء يدفع إلى التساؤل: هل هي أيضًا رسالة تحذير شيطانية من نتنياهو إلى ترامب؟

 

عن الكاتب

تونجا بنغن

كاتب لدى صحيفة ملييت


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس