
ترك برس
تحولت الشيوعية، التي جذبت الملايين بوعود المساواة والعدالة الاجتماعية، إلى واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية كلفة في القرن العشرين. وبينما كانت بنية الدولة القوية والإرث الاقتصادي العثماني قد يهيئان تركيا للاقتراب من هذا النموذج، دفعت عوامل سياسية وأمنية ودينية واقتصادية البلاد إلى الابتعاد عنه والانضمام إلى المعسكر الغربي.
ورغم أن الشيوعية بدت في النصف الأول من القرن العشرين نموذجًا اقتصاديًا صاعدًا، فإن تجاربها انتهت بانهيارات ومجاعات واسعة. تستعرض البروفيسورة الدكتورة زينب بورجو أوغور الكلفة الباهظة لهذا النظام، وتشرح كيف بقيت تركيا بعيدة عنه رغم تقاليدها الراسخة في قوة الدولة وتدخلها في الاقتصاد.
وفي مقال لها على موقع "فوكس بلس"، سلطت الأكاديمية التركية زينب بورجو أوغور الضوء على الأثمان الباهظة التي خلفتها الشيوعية، بوصفها إحدى أكبر التجارب الاقتصادية في القرن العشرين، وعن الكيفية التي تمكنت بها تركيا من الابتعاد عن هذا النظام رغم امتلاكها تقليدًا تاريخيًا يقوم على مركزية الدولة وقوتها.
وأضافت: تُذكر الشيوعية اليوم بوصفها تجربة اقتصادية فاشلة تركت وراءها انهيارات اقتصادية ومجاعات وملايين الوفيات بسبب الجوع. لكن الصورة كانت مختلفة تمامًا في مطلع القرن العشرين، إذ بدت الشيوعية آنذاك شديدة الجاذبية لقطاعات واسعة من الناس.
وفيما يلي تتمة المقال:
ففي مواجهة ظروف العمل القاسية التي صاحبت التصنيع، واتساع فجوات الدخل وانتشار الفقر، قامت الفكرة الأساسية للشيوعية على الادعاء بأن استبدال اقتصاد السوق بنظام تتولى فيه الدولة تخطيط الإنتاج وتوزيع الموارد سيقضي على الاستغلال، ويحقق العدالة في توزيع الدخل، ويقود المجتمع إلى مزيد من الرفاه.
وهنا تحديدًا كمنت جاذبية الشيوعية: إدارة توزيع الموارد الاقتصادية من خلال خطة مركزية، وبواسطة فاعل مركزي واحد هو «الدولة».
ومع الثورة البلشفية عام 1917، استولى لينين ورفاقه على السلطة في روسيا، وأسسوا أول دولة شيوعية في التاريخ، قبل أن يُعلن لاحقًا قيام الاتحاد السوفيتي.
ولم تبقَ الشيوعية داخل الحدود السوفيتية، بل امتدت من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأقصى. وبدأت دول عديدة، من بينها الصين وكوريا الشمالية وفيتنام وكوبا وألبانيا، إلى جانب نحو ثلث سكان العالم، العيش تحت حكم أنظمة شيوعية.
حتى أفغانستان شهدت فترة خضعت فيها لحكم شيوعي، كما وجدت هذه الأفكار رواجًا في عدد من الدول العربية، ولا سيما داخل أحزاب البعث.
ومن الضروري أولًا التأكيد أن الشيوعية هي، في المقام الأول، نظام اقتصادي.
وبأوسع تعريفاتها، تعد الشيوعية أيديولوجيا وضع كارل ماركس وفريدريك إنجلز أسسها النظرية، وتقوم على خضوع وسائل الإنتاج لسيطرة الدولة باسم المجتمع بدلًا من امتلاك الأفراد لها، وإدارة الأنشطة الاقتصادية من خلال التخطيط المركزي بدلًا من السوق، مع السعي إلى إقامة مجتمع بلا طبقات.
ورغم أن وعود الشيوعية بدت جذابة على المستوى النظري، فإن النتائج التي أفرزتها تطبيقاتها خلال القرن العشرين كانت كارثية.
وكان أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك هو الاعتقاد بإمكان إدارة الاقتصاد بالتخطيط المركزي بدلًا من آلية السوق القائمة على إشارات الأسعار، التي تعكس ملايين القرارات الاقتصادية المستقلة والمتداخلة في الوقت نفسه.
لكن تولي الدولة تحديد حجم الإنتاج، واختيار الأماكن التي تزرع فيها السلع المختلفة، وكيفية توزيع الموارد، أدى في التطبيق إلى أخطاء جسيمة في كثير من الأحيان.
كارثة الهولودومور في أوكرانيا بين عامي 1932 و1933، التي أودت بحياة الملايين.
التجربة الاقتصادية الكبرى في القرن العشرين وانهيارها
استهدفت سياسة التجميع القسري التي طُبقت خلال عهد جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي القطاع الزراعي بصورة خاصة.
فقد جُمعت أراضي الفلاحين ومواشيهم داخل مزارع جماعية خاضعة للدولة، عُرفت باسم «الكولخوز» و«السوفخوز». وكانت كميات الإنتاج تحدد في موسكو، بينما حُرم المزارعون من القدرة على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
واستمرت الدولة في جمع حصص الحبوب التي حددتها، من دون مراعاة حجم الإنتاج الحقيقي في كثير من الأحيان، لأن الموظفين المحليين كانوا يخشون إبلاغ رؤسائهم بعدم كفاية المحاصيل.
وكانت النتيجة وقوع واحدة من أكبر المجاعات في التاريخ بين عامي 1932 و1933 في أوكرانيا، التي كانت تعد من أكثر مناطق العالم خصوبة وتُعرف بأنها سلة حبوب أوروبا.
وفي هذه الكارثة، المعروفة باسم «الهولودومور»، مات ملايين الأشخاص جوعًا.
ويرى عدد كبير من الباحثين أن موت الناس جوعًا في منطقة منتجة للحبوب يمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على فشل التخطيط المركزي وسياسات التجميع القسري.
وشهدت الصين تجربة مشابهة.
فقد أطلق ماو تسي تونغ عام 1958 حملة «القفزة الكبرى إلى الأمام»، التي هدفت إلى تحويل الصين خلال فترة قصيرة إلى قوة صناعية عملاقة.
ودُمجت القرى في كومونات شعبية ضخمة، وأُلغيت الملكية الخاصة، وأصبح الإنتاج يُدار وفق خطط الدولة.
وبسبب الضغوط، كان المسؤولون المحليون يبلغون عن أرقام إنتاج أعلى من الواقع، بينما تواصل الحكومة المركزية جمع الحبوب استنادًا إلى هذه البيانات الخاطئة.
وهكذا وضعت الخطط على أساس وجود منتجات لم تكن موجودة فعليًا في المخازن. وفي الوقت الذي عجز فيه سكان الريف عن العثور على الطعام، واصلت الدولة جمع الحبوب.
وأدت القرارات الاقتصادية الخاطئة والتخطيط المركزي خلال هذه العملية إلى وفاة ملايين الأشخاص جوعًا.
أما ألبانيا، فقد قدمت أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على العزلة الاقتصادية التي فرضها النظام الشيوعي.
فقد أغلق أنور خوجة البلاد بصورة شبه كاملة أمام العالم الخارجي، وحظر المشروعات الخاصة، ووضع الاقتصاد كله تحت سيطرة الدولة، وأدار الإنتاج من خلال التخطيط المركزي.
أحد الملاجئ الخرسانية التي بُنيت في ألبانيا خلال عهد أنور خوجة.
وفي ظل خوف دائم من التعرض للاحتلال، شُيدت مئات الآلاف من الملاجئ الخرسانية في مختلف أنحاء البلاد، وأُنفقت الموارد المحدودة على هذه المشروعات بدلًا من توجيهها إلى استثمارات منتجة.
وعلى الرغم من امتلاك ألبانيا أراضي زراعية خصبة، وساحلًا طويلًا على البحر الأدرياتيكي، وطبيعة غنية، فإنها تحولت، رغم كل إمكاناتها، إلى واحدة من أفقر دول أوروبا.
ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية لكل واحدة من هذه التجارب، فإن القواسم المشتركة بينها لافتة.
فقد أدى تحديد الإنتاج وتوزيع الموارد من خلال خطط الدولة بدلًا من أسعار السوق، وإلغاء الملكية الخاصة وروح المبادرة إلى حد بعيد، واتخاذ القرارات الاقتصادية من مركز واحد، إلى انعدام الكفاءة ووقوع المجاعات واستمرار الفقر لفترات طويلة في عدد كبير من الدول الشيوعية.
ولهذا تخلت غالبية الدول الشيوعية السابقة اليوم عن التخطيط المركزي، واعتمدت اقتصاد السوق بدرجات متفاوتة.
كما أن الصعود الاقتصادي الذي حققته الصين خلال العقود الأربعة الأخيرة لم يبدأ إلا بعد ابتعادها عن نموذج التخطيط الشيوعي وإدخالها آليات السوق إلى اقتصادها على نطاق واسع.
ندرك اليوم حجم الحصيلة الثقيلة التي خلفتها الشيوعية. لكن في عالم عام 1945، لم تكن تبدو نظامًا مهزومًا، بل نظامًا منتصرًا.
فأحذية جنود الجيش الأحمر الذين دخلوا برلين لم تكن، في نظر كثيرين، تسحق ألمانيا النازية فحسب، بل كانت تعلن أيضًا أن الاتحاد السوفيتي هو المنتصر الحقيقي في الحرب.
وكان هذا الانتصار العسكري يُنظر إليه باعتباره نتيجة للتصنيع السريع الذي حققه الاتحاد السوفيتي، كما اعتبره كثيرون دليلًا على تفوق النظام الشيوعي على النظام الرأسمالي.
وحتى في الغرب، مرّت فترات دافع فيها عدد كبير من الأكاديميين والسياسيين والمثقفين عن احتمال تفوق النموذج السوفيتي اقتصاديًا، أو عن كونه مساويًا للرأسمالية على الأقل. وكان من بين هؤلاء الاقتصادي الحائز جائزة نوبل بول سامويلسون.
النزعة الدولتية من العثمانيين إلى الجمهورية
كانت هناك في الواقع بعض الظروف التاريخية التي كان يمكن أن تسهّل توجه تركيا نحو الشيوعية، التي كانت تبدو آنذاك شديدة القوة من الخارج.
فالإرث الذي ورثته تركيا عن الدولة العثمانية استند إلى تقليد تتمتع فيه الدولة بقوة تكاد لا ينافسها فيها أحد، بما في ذلك المجال الاقتصادي.
لم تكن الملكية الخاصة غائبة تمامًا في الدولة العثمانية، إذ كانت المنازل والمتاجر وكثير من الممتلكات المنقولة تخضع للملكية الخاصة.
لكن حقوق الملكية الخاصة كانت أكثر محدودية مقارنة بمفهوم الملكية الذي تطور في أوروبا.
وكانت غالبية الأراضي الزراعية، التي مثلت آنذاك أهم مصدر للإنتاج، تندرج ضمن نظام «الأراضي الأميرية»، ما يعني أن ملكيتها النهائية تعود إلى الدولة، بينما كان الفلاحون يتمتعون بصورة أساسية بحق الانتفاع بها.
كذلك كانت الدولة تستطيع، من خلال نظام المصادرة، الاستيلاء على ثروات كبار موظفيها ومسؤوليها.
ورغم أن هذه الممارسة لم تكن تعني رفضًا عامًا للملكية الخاصة على غرار الشيوعية، فإنها كانت لافتة من حيث إظهارها أن الكلمة النهائية في مسألة الملكية تعود إلى الدولة.
غير أن إصلاحات التنظيمات، ولا سيما قانون الأراضي لعام 1858، عززت بصورة كبيرة حقوق الملكية الخاصة بمفهومها الحديث.
وعندما تأسست الجمهورية التركية، لم يكن في البلاد تقريبًا أي طبقة من رواد الأعمال، كما كان تراكم رأس المال شبه معدوم.
لذلك تبنت الجمهورية في سنواتها الأولى سياسة اقتصادية دولتية، فأنشأت الدولة بنفسها عددًا كبيرًا من المنشآت الصناعية، وتولت قيادة عملية التنمية الاقتصادية.
وكان هذا بدوره عاملًا يمكن أن يقرب البلاد من الفكرة الشيوعية التي تجعل الدولة الفاعل الاقتصادي الوحيد.
فضلًا عن ذلك، نشأت خلال حرب الاستقلال علاقات وثيقة بين حكومة أنقرة وروسيا السوفيتية، وقدمت موسكو إلى تركيا مساعدات مالية وعسكرية.
وبسبب هذا التقارب، كان من الممكن إلى حد بعيد أن تدخل الجمهورية الفتية مع مرور الوقت تحت النفوذ السوفيتي.
فكيف تمكنت تركيا إذن من الابتعاد عن هذه الأيديولوجيا؟
جوزيف ستالين.
مطالب ستالين والعامل الديني والانضمام إلى المعسكر الغربي
كان أحد الأسباب الرئيسية لذلك مطالب ستالين من تركيا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ادعى أحقيته في ولايتي قارص وأردهان، وقدم مطالب تتعلق بالمضائق التركية.
وأدت هذه التطورات إلى نظر تركيا إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره تهديدًا أمنيًا.
وسرعان ما اتجهت أنقرة نحو العالم الغربي، وحصلت على الدعم الأمريكي في إطار مبدأ ترومان، ثم انضمت إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952.
وكان موقف الشيوعية من الدين عاملًا مهمًا آخر.
فالغالبية العظمى من المجتمع التركي كانت، ولا تزال، متدينة ومسلمة. وربما كانت أشهر عبارة يعرفها كثيرون عن الشيوعية هي مقولة ماركس: «الدين أفيون الشعوب».
ومع ظهور محاولات الأنظمة الشيوعية القضاء على الدين، بدأ المجتمع التركي ينظر إلى الشيوعية منذ البداية باعتبارها تهديدًا دينيًا وثقافيًا.
وبالنسبة إلى كثيرين، منع هذا التصور حتى مناقشة الشيوعية وتقييمها بوصفها نظامًا اقتصاديًا.
وخلاصة القول إن تركيا لم تصبح يومًا دولة شيوعية.
لكن الأفكار التي ساعدت على ولادة هذا النظام لم تختفِ تمامًا. فما زالت النزعات الدولتية التي تغذت منها الشيوعية تظهر من حين إلى آخر في الرأي العام.
وخلال فترات التضخم المرتفع بصورة خاصة، عندما ترتفع الأسعار، يرى كثيرون أن الحل يكمن في أن تحدد الدولة الأسعار، أو تتولى الإنتاج مباشرة، أو تفرض رقابة أشد على الشركات.
ويمكن اعتبار إنشاء الدولة منافذ لبيع الخضراوات والفواكه في أنقرة وإسطنبول عام 2019 مثالًا على هذه النزعة الدولتية، لكنها لم تكن تجربة قابلة للاستمرار.
وبطبيعة الحال، لا يعني اقتصاد السوق الحر غياب الدولة تمامًا، إذ لا يمكن للسوق أن يعمل من دون نظام قانوني قوي.
وتشمل مهام الدولة التي لا غنى عنها حماية حقوق الملكية، وضمان المنافسة، ومنع الاحتكار، وتوفير الأمن الداخلي والخارجي، والاستثمار في البنية التحتية، وإنشاء آليات للضمان الاجتماعي.
لكن هناك فرقًا بين اقتصاد تؤدي فيه الدولة دور الحكم، واقتصاد تتولى فيه الدولة اتخاذ قرارات الإنتاج والتوزيع.
واليوم، عندما ترتفع أسعار البصل إلى 70 ليرة تركية ويطالب البعض الدولة بالتدخل، يجدر بنا تذكيرهم بالأثمان الباهظة التي دفعها العالم في الماضي.
ورغم ما قد يبدو في الأمر من مفارقة، أود القول إننا مدينون بشيء من الشكر إلى ستالين وماركس.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











