
ترك برس
في الوقت الذي تحاول فيه تركيا إبقاء نفسها خارج المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وخصومها، وتطرح الدبلوماسية والوساطة بديلاً عن الانخراط في الحرب، تعيد وثيقة تركية إيرانية عمرها نحو قرن إلى الواجهة جانباً قليل التداول من جذور السياسة التي تتبعها أنقرة تجاه جارتها الشرقية: معاهدة الأمن والحياد والتعاون الاقتصادي الموقعة بين تركيا وإيران عام 1932.
ففي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1932، وقعت تركيا وإيران في أنقرة ما حمل في التركية العثمانية اسم "معاهدة الأمن والحياد والتعاون الاقتصادي"، قبل أن يصدق عليها البرلمان التركي بالقانون رقم 2776 في 10 يونيو/حزيران 1935، وتنشر في الجريدة الرسمية في 15 يونيو من العام نفسه. ويؤكد النص المحفوظ في أرشيف البرلمان التركي أن الاتفاق جاء تجديداً وترسيخاً لترتيبات الصداقة والأمن التي كان البلدان قد أبرماها في أبريل/نيسان 1926.
ورغم أن الاتفاقية ولدت في ظروف مختلفة تماماً عن المشهد الجيوسياسي الراهن، فإن قراءة موادها اليوم تكشف تشابهاً لافتاً بين المبادئ التي أراد البلدان تثبيتها قبل أكثر من تسعين عاماً وبين النهج الذي تتحرك به أنقرة حالياً إزاء الحرب المرتبطة بإيران.
ماذا تقول اتفاقية 1932؟
المادة الأولى من المعاهدة شديدة الوضوح: إذا تعرض أحد الطرفين لتحرك عسكري من دولة ثالثة أو أكثر، يلتزم الطرف الآخر بالمحافظة على حياده تجاهه. أما المادة الثانية فتذهب أبعد من ذلك، إذ يتعهد الطرفان بعدم الاعتداء على بعضهما، وألا ينخرط أي منهما في تحالف أو اتفاق سياسي أو اقتصادي أو مالي يستهدف الطرف الآخر أو أمن أراضيه البري والبحري، فضلاً عن عدم المشاركة في أي عمل عدائي توجهه دولة ثالثة ضده.
ولم يكن مفهوم الحياد في الاتفاقية يعني السماح باستخدام أراضي الدولة المحايدة ضد الطرف الآخر. فالمادة الثالثة تنص على أنه إذا حاولت دولة ثالثة استخدام أراضي أحد الطرفين لنقل القوات أو الأسلحة والذخائر أو الإمدادات الحربية ضد الطرف الثاني، أو حاولت استغلال سكانه أو أراضيه لأغراض عسكرية، فعلى الدولة المعنية الدفاع عن حيادها ومنع ذلك.
أما المادة الرابعة فتقدم بعداً آخر ربما يكون الأكثر ارتباطاً بالسلوك الدبلوماسي التركي الحالي. فإذا تعرض أحد البلدين لتحركات عدائية من دولة أو دول أخرى، يتعين على الطرف الثاني أن يبذل جهده من أجل تسوية الوضع، وإذا أصبحت الحرب أمراً واقعاً، يعيد الطرفان تقييم الموقف بحثاً عن حل يتناسب مع مصالحهما.
بعبارة أخرى، لم تبن المعاهدة العلاقة على الاختيار بين "الوقوف مع إيران" أو "الوقوف ضد إيران"، بل على معادلة مختلفة: عدم المشاركة في الحرب ضد الطرف الآخر، ومنع استخدام أراضي الدولة للإضرار به، مع الاحتفاظ بالقدرة على التحرك دبلوماسياً لتخفيف التصعيد.
بند يعود بقوة بعد 94 عاماً
ولعل المادة الخامسة من أكثر مواد الاتفاق إثارة للاهتمام في سياق أزمات اليوم. فقد تعهد الطرفان بعدم السماح داخل أراضيهما بتشكيل أو استضافة تنظيمات وجماعات تستهدف أمن الدولة الأخرى أو تسعى إلى تغيير حكومتها، وكذلك بعدم إتاحة أراضيهما لأشخاص أو تجمعات تعمل ضد الطرف الآخر بالدعاية أو بوسائل أخرى.
وهو نص يكشف أن مفهوم الأمن لدى أنقرة وطهران في ذلك الوقت لم يكن مقتصراً على منع الحرب التقليدية، وإنما شمل أيضاً عدم تحويل أراضي أي منهما إلى منصة لتهديد استقرار الدولة الأخرى.
كما تضمنت المعاهدة جانباً اقتصادياً، إذ نصت مادتها السادسة على العمل لترتيب تعاون اقتصادي بين الطرفين ودراسة حرية العبور وإنشاء وسائل النقل والاتصال بين البلدين، في إشارة إلى أن الأمن والاقتصاد والجغرافيا كانت منذ البداية ملفات مترابطة في تصور العلاقات التركية الإيرانية.
من 1932 إلى حرب 2026
بعد أكثر من تسعة عقود، تجد تركيا نفسها مجدداً أمام معضلة مشابهة من حيث المبدأ، وإن اختلفت الأطراف والظروف جذرياً.
فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في 2026، سعت أنقرة إلى التواصل مع أطراف النزاع والدفع باتجاه وقف الحرب واستئناف المفاوضات، وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مارس/آذار إن بلاده تجري اتصالات مع مختلف الأطراف بحثاً عن سبيل لإنهاء الحرب والعودة إلى المسار الدبلوماسي. كما كرر الرئيس رجب طيب أردوغان الدعوة إلى وقف المواجهة قبل أن تجر المنطقة بأكملها إلى حرب أوسع.
ولم يقتصر الدور التركي على التصريحات؛ إذ أفادت رويترز في مارس/آذار بأن أنقرة كانت تنقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة في إطار مساعٍ لخفض التصعيد وتشجيع المفاوضات المباشرة.
وحتى مع دخول تركيا في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة خلال أغسطس/آب، شددت أنقرة على أن تحركاتها الدفاعية ليست موجهة ضد إيران أو دولة بعينها، في مؤشر إضافي إلى حرصها على بناء شراكات أمنية من دون تحويلها رسمياً إلى محور مخصص لمواجهة طهران.
ومن هنا تبرز اتفاقية 1932 بوصفها مفتاحاً تاريخياً مهماً لقراءة هذا السلوك: تركيا تستطيع أن تختلف مع إيران، وأن تنافسها في بعض الملفات، وأن ترتبط في الوقت نفسه بتحالفات وشراكات مع دول تختلف جذرياً مع طهران، من دون أن تجعل نفسها تلقائياً طرفاً في حرب ضد جارتها.
حياد لا يعني التحالف مع إيران
لكن الاتفاقية لا تجعل تركيا حليفاً عسكرياً لإيران. فالمادة السابعة احتفظت صراحة لكل طرف بحرية إقامة علاقاته مع الدول الأخرى، باستثناء الالتزامات المحددة في المعاهدة نفسها. وهو تفصيل مهم لفهم الفارق بين الحياد تجاه حرب تستهدف الطرف الآخر وبين الاصطفاف السياسي الكامل إلى جانبه.
وهذا يفسر جزئياً قدرة تركيا تاريخياً على الاحتفاظ بعلاقات مع إيران وفي الوقت نفسه العضوية في حلف شمال الأطلسي وإقامة علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة ودول الخليج وقوى أخرى على خلاف مع طهران.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو الحياد التركي مجرد رد فعل آني على حسابات حرب 2026، بل ينسجم مع تقليد أقدم في إدارة العلاقة مع إيران يقوم على إبقاء التنافس والخلافات تحت سقف يمنع تحولهما إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو إلى استخدام أراضي أحد البلدين ضد الآخر.
هل الاتفاقية ما زالت نافذة؟
هنا تبرز نقطة قانونية تستدعي الحذر. فالمادة الثامنة من النص الأصلي حددت مدة أولية للمعاهدة تبلغ خمس سنوات بعد دخولها حيز التنفيذ، على أن تتجدد تلقائياً لمدة سنة إذا لم يخطر أحد الطرفين الآخر بإنهائها قبل انتهاء المدة بستة أشهر.
وتشير كتابات ومراجع تركية لاحقة إلى أن الاتفاق ظل قائماً ولم يلغِه حتى توقيع ميثاق سعد آباد عام 1937، كما أعيد طرحه في الإعلام التركي خلال 2026 باعتباره اتفاقاً لم يُعلن إلغاؤه. لكن النص المنشور في سجلات البرلمان وحده لا يكفي للجزم بوضعه القانوني الحالي من دون سجل رسمي حديث يثبت استمرار نفاذه حتى اليوم.
لذلك، فإن أهمية معاهدة 1932 في تفسير السياسة التركية الراهنة لا تتوقف فقط على سؤال ما إذا كانت أنقرة تتحرك اليوم انطلاقاً من التزام قانوني مباشر بها، بل في كونها توثق فلسفة مبكرة في العلاقات التركية الإيرانية سبقت الأزمات الحالية بعقود طويلة.
سياسة أقدم من الحرب الحالية
المفارقة أن الوثيقة التي صيغت في ثلاثينيات القرن الماضي تبدو، بعد 94 عاماً، وكأنها تتحدث بلغة عدد من الأزمات التي تواجهها تركيا اليوم: دولة مجاورة تتعرض لهجمات من قوى ثالثة، ضرورة منع تحول الأراضي التركية إلى منصة للحرب عليها، رفض المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، والسعي في الوقت نفسه إلى تسوية الأزمة عبر الدبلوماسية.
ولهذا، فإن وصف موقف أنقرة الحالي بـ"الحياد" باعتباره مجرد مناورة مؤقتة قد لا يقدم الصورة كاملة.
حياد تركيا تجاه الصراع المحيط بإيران ليس بالضرورة وليد حرب 2026 وحدها؛ فمنذ 1932 على الأقل، وضعت أنقرة وطهران إطاراً مكتوباً يقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الدلالة: يمكن للدولتين أن تختلفا وتتغير تحالفاتهما، لكن لا ينبغي لإحداهما أن تصبح منصة لحرب تستهدف الأخرى.
وبين اتفاقية عمرها أكثر من تسعة عقود وسياسة تركية تحاول اليوم الجمع بين العلاقات مع الغرب والشراكات الإقليمية والحفاظ على قنواتها مع طهران، يظهر خيط تاريخي واضح: بالنسبة إلى أنقرة، البقاء خارج الحرب على إيران ليس مجرد موقف تكتيكي، بل خيار له جذور عميقة في تاريخ العلاقة بين الجارين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











