
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
سقط خبر هبوط رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بشكل مفاجئ في موسكو وإجرائه مباحثات رفيعة المستوى هناك، على أجندة العالم كالقنبلة. لقد كان تطوراً استثنائياً. ولم يصدر أي تصريح بشأن مضمون المباحثات. لكن جميع الأوساط المعنية تقريباً في العالم اتفقت على أن الأمر ينطوي على بُعد مأساوي. والواقع أن الوضع الراهن للحرب الروسية الأوكرانية يشير إلى ذلك بالفعل.
لقد طغت حربا فلسطين وإيران على الحرب الروسية الأوكرانية. وتركز اهتمام الرأي العام ووسائل الإعلام بدرجة أكبر على هذين الملفين. إلى حد أن الحرب في أوكرانيا بدأت تُنظر إليها باعتبارها حرباً متجمدة ومُغلقة الأفق. غير أن الوضع لم يكن كذلك على الإطلاق. وعند النظر إلى الجبهات، كان هذا الادعاء صحيحاً جزئياً. لكن الحرب كانت تتصاعد من زاوية أخرى. وكان يجري الحديث بين الحين والآخر عن هجمات بطائرات مسيرة شنتها أوكرانيا في عمق الأراضي الروسية واستهدفت بصورة مباشرة مصادر الطاقة الروسية. وكان واضحاً أن موسكو تواجه صعوبة في وقف هذه الهجمات.
بعد وصول ترامب إلى السلطة، انسحبت الولايات المتحدة من هذه الحرب ورفعت يدها عنها. وكان لهذا الأمر في الأساس معنى أيضاً. فقد كانت الإدارة الأمريكية الجديدة تشعر بالقلق من تنامي التضامن بين روسيا والصين. وكانت حرب أوكرانيا تزيد من هذا التضامن. وكما نوقش في قمة ألاسكا، فإن خروج الولايات المتحدة من موقع الطرف في هذه الحرب، كان من شأنه أن يسهم في تحسين العلاقات الروسية الأمريكية وإضعاف العلاقات الروسية الصينية. وكان ذلك يمكن أن يمهد الطريق لعزل الصين في المواجهة الكبرى التي تخطط لها الولايات المتحدة في المحيط الهادئ. لكن، على أي حال، فإن انجرار الولايات المتحدة وراء إسرائيل وشنها هجوماً على إيران أفضى إلى نتائج عززت الروابط الصينية الروسية. لقد انطفأ في الخليج الضوء الذي أُضيء في ألاسكا. وأياً يكن الأمر؛ فإن ترامب ترك في نهاية المطاف المملكة المتحدة في المقدمة، والدول الأوروبية التي سارت خلفها، وحيدة. وأعقب ذلك ارتباك. وبدأت رياح باردة تهب بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، اللتين تشكلان نواة التحالف الأطلسي. وفي غضون ذلك، عززت أوكرانيا قدراتها في مجال الطائرات المسيرة. وبدأت، بفضل هذه التكنولوجيا الجديدة الخفيفة من حيث الوزن والتكلفة، في استهداف عمق الأراضي الروسية والسفن التجارية في البحر الأسود.
في الحقيقة، لا أستطيع القول إن هذه الهجمات ستغير مسار الحرب. ويمكن للجميع أن يرى أن أوكرانيا تكبدت خسائر فادحة منذ البداية، وأنها فقدت حتى الآن أكثر من ثلث أراضيها - وهي الأراضي التي تشكل الجزء الأكبر من صناعتها - وأن أكثر من نصف سكانها هاجروا؛ أي أنها تعيش كارثة ديموغرافية. ونعلم أنها باتت في الآونة الأخيرة عاجزة حتى عن تصدير الحبوب، التي كانت أحد أكبر بنودها الاقتصادية، وأن عائداتها الاقتصادية تراجعت. نعم، لقد تكبدت روسيا أيضاً خسائر فادحة في هذه الحرب. لكنها، بالنظر إلى قدراتها ومواردها، تبدو قادرة على تعويض هذه الخسائر. ومن الصعب جداً قول الأمر نفسه بالنسبة إلى أوكرانيا. وخلاصة القول، إن الأمور لا تسير على الإطلاق بشكل جيد بالنسبة إلى نظام زيلينسكي.
وفي خضم هذا المأزق تحديداً، اجتمعت الدول الأوروبية في كييف، وسط مراسم رسمية، بمناسبة الذكرى السنوية لاستقلال أوكرانيا. وألقى القادة، وفي مقدمتهم المملكة المتحدة، خطابات حماسية، وأكدوا بنبرة قوية أنهم يقفون خلف أوكرانيا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد أعلنت المملكة المتحدة أنها ستمنح أوكرانيا تكنولوجيا صواريخ «ستورم شادو» الشهيرة. وكانت ألمانيا قد تراجعت عن موقفها في الموضوع نفسه وأعلنت أنها لن تمنح أوكرانيا صواريخ «تاوروس». وكان ذلك خبراً سيئاً بالنسبة إلى أوكرانيا. والأكثر من ذلك، فإن بولندا، التي نعرف أنها دعمت أوكرانيا بحماس، بدأت في الآونة الأخيرة تتراجع، بعدما انزعجت بشدة من الدعاية البانديرية. وكان زيلينسكي، الذي التقى ترامب في قمة الناتو بأنقرة، قد حصل على وعد بصواريخ «باتريوت»؛ لكن هذا ترامب، كيف يمكن الوثوق بأي من وعوده؟ فبعد انتهاء القمة، وُضع هذا الوعد على الرف. وفي ظل هذه الظروف، أسعدت هذه المساعدة التي جاءت من المملكة المتحدة، مصحوبة بصواريخ «ستورم شادو»، أوكرانيا كثيراً. وإذا تحققت، فستتمكن أوكرانيا من شن هجمات ثقيلة ومدمرة للغاية داخل الأراضي الروسية بكل أريحية. وحتى اليوم، كانت قادرة على ضرب «الدب الروسي» سميك الجلد برصاصات عيار 7.65، ولا تؤدي هذه الهجمات، في أحسن الأحوال، إلا إلى جعله أكثر جرحاً وشراسة؛ ثم تتعرض هي نفسها بعد ذلك لهجمات أكثر تدميراً. لكن «ستورم شادو» سيكون الرصاصة «دوم دوم» التي كانت تبحث عنها.
وعلى إثر ذلك، صعّدت روسيا من وتيرة تحركها. وأظهرت أنها ستضرب المملكة المتحدة إذا نقلت هذه الصواريخ إلى أوكرانيا، وأنها مستعدة، إذا لزم الأمر، للمخاطرة بحرب نووية أيضاً. وكانت التصريحات النارية لكل من زاخاروفا وميدفيديف تشير تحديداً إلى ذلك. وفجأة احتل التصعيد مركز الأجندة. والسؤال الذي ينبغي طرحه الآن هو: إلى أي مدى يمثل ذلك خدعة، وإلى أي مدى هو حقيقي؟ ولنجب فوراً: كلا الاحتمالين وارد. يحاول الروس في المقام الأول تحقيق الردع. أي إنهم يريدون من المملكة المتحدة التراجع. لكن الردود القادمة من لندن تشير إلى أن ذلك لن ينجح. وأعتقد أن الروس يدركون ذلك؛ وأنهم يعلمون أن سياسة الدولة البريطانية لن تتغير بسبب هذا التهديد. وأعتقد أن هدفهم الأساسي هو الضغط على الصدع بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من خلال تضخيم الخطر. لأنه من الواضح أنه إذا استمر التصعيد، فسيتحول إلى مواجهة نووية عالمية، وسيضع حلف الناتو وروسيا في مواجهة مباشرة. وهم يدركون أن الولايات المتحدة لا تريد ذلك إطلاقاً. ويعلمون أن القوة الوحيدة القادرة على إيقاف لندن هي واشنطن. وقد رأينا أنهم حققوا مرادهم على المدى القصير. ويشير إلى ذلك مجيء رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى موسكو على عجل. أما الولايات المتحدة، فهي تحسب حساباتها الخاصة. ففي مقابل وقف لندن، تطلب من روسيا إخراجها من المستنقع الذي غرقت فيه في الخليج في مواجهة إيران. ولا نعرف كيف انتهت المفاوضات. وحتى إذا توصل الطرفان إلى اتفاق فيما بينهما، فإن كيفية رد طهران ولندن على ذلك مسألة أخرى. ولنعد الآن إلى سؤالنا: هل نحن على أعتاب حرب نووية؟ على المدى القصير، لا. لكن إذا كان هناك مسار مشترك تم التوصل إليه بين موسكو وواشنطن، فإن هذا المسار سيمر باختبار. والإجابة عن السؤال على المدى المتوسط لا تشبه إجابته على المدى القصير. وإذا شاء الله، سنتابع ونرى…
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













