
جهاد إسلام يلماز - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
يُفهم الاستخبارات، وفق تعريفها الكلاسيكي، باعتبارها نشاطاً تقوم به الدول في مواجهة بعضها بعضاً في مجال المراقبة والاستشراف. غير أن أجهزة الاستخبارات في النظام الدولي للقرن الحادي والعشرين، الذي أصبح متعدد الأقطاب ومتعدد الفاعلين وأقل قابلية للتنبؤ بصورة متزايدة، لم تعد مؤسسات تجمع المعلومات فحسب، بل تحولت أيضاً إلى مؤسسات تدير قنوات الحوار السرية والفعالة بين الدول. والممارسة التي طورتها تركيا في هذا السياق تستحق أن تُفسَّر بمفهوم أصيل يتجاوز نظرية الاستخبارات الكلاسيكية: الدبلوماسية الاستخباراتية متعددة الحضارات. ويتيح هذا المفهوم قراءة مجالات النشاط التي أظهرتها منظمة الاستخبارات الوطنية التركية خلال السنوات الأخيرة، ليس باعتبارها نجاحاً عملياتياً فحسب، بل أيضاً باعتبارها عقيدة جيوسياسية.
مصدر الشرعية: القدرة على التحدث مع عوالم متعددة في الوقت نفسه
إن الفاعلين الذين تضعهم الأدبيات الغربية للعلاقات الدولية في كثير من الأحيان في موقع «الآخر» معروفون: إيران، وروسيا، وحماس، وأحياناً العناصر المستقلة في تحركها داخل الخليج. وقد يُنظر إلى إقامة اتصالات مع هؤلاء الفاعلين، من منظور سياسة خارجية تتمحور حول الغرب، باعتبارها سلوكاً محفوفاً بالمخاطر، بل وقد يُعتبر سلوكاً يفقد صاحبه شرعيته. غير أن الدبلوماسية الاستخباراتية التركية تبني تحديداً في هذه النقطة أرضية مختلفة: إذ تستطيع منظمة الاستخبارات الوطنية التركية إقامة اتصالات في الوقت نفسه وبشكل متزامن ومن خلال قنوات موثوقة، مع نظرائها في طهران، ونظرائها في موسكو، والجناح السياسي لحماس، وصناع القرار في عواصم الخليج. وهذه ليست مهارة دبلوماسية عادية، بل هي بحد ذاتها أرضية للشرعية. لأن الأمر يتعلق ليس بـ«عدم الانحياز» إلى طرف بين أطراف متصارعة، بل بالوجود، في نظر كل طرف على حدة، بوصفه جهة موثوقة يمكن التعامل معها.
ويكمن أصل هذه الشرعية في الموقع التاريخي والثقافي لتركيا. فالذاكرة المؤسسية الموروثة من تقاليد الإدارة العثمانية متعددة الأديان واللغات والقوانين، لا تزال موجودة بوصفها رصيداً فعالاً في العلاقات التي تقيمها تركيا المعاصرة مع مختلف الأحواض الحضارية. فعندما يتحدث مسؤول إيراني مع أنقرة، فإنه لا يرى أمامه طرفاً في الصراع الشيعي السني، بل قوة تشكل شريكاً في القاسم المشترك للاستقرار الإقليمي. والمسؤول الروسي، رغم كون تركيا عضواً في حلف الناتو، ينظر إليها باعتبارها فاعلاً براغماتياً قادراً على فهم مصالحه الخاصة. أما القيادة السياسية لحماس، فتقبل أنقرة باعتبارها جهة سياسية حقيقية يمكن التعامل معها، بعيداً عن قوائم الإرهاب التي يفرضها الغرب. في حين ترى دول الخليج في تركيا مركز ثقل تاريخياً للعالم السني من جهة، وعقلاً للدولة الحديثة والمؤسسية من جهة أخرى. وهذا القبول متعدد الأوجه ليس حظاً دبلوماسياً نشأ مصادفة، بل هو نتاج تراكم مؤسسي وصبر استراتيجي امتدا لعقود.
رافعة الحضارة: من عدم اليقين إلى القدرة
غالباً ما جرى تناول الموقع الدولي لتركيا في التحليلات الجيوسياسية التقليدية باعتباره مشكلة «البقاء في المنتصف». وقد قُرئت صيغة «ليست غربية بالكامل ولا شرقية بالكامل» على مدى سنوات طويلة باعتبارها تعبيراً عن أزمة هوية أو غموض في الانتماء. غير أنه عند النظر إلى ممارسة الدبلوماسية الاستخباراتية، يتضح أن لهذه الصيغة في الواقع معنى معاكساً تماماً: فحالة «البينية» التي تتمتع بها تركيا ليست نقطة ضعف، بل قدرة فريدة على تشكيل رافعة من نوع لا يمتلكه أي فاعل آخر. ويمكن تسمية ذلك بـرافعة الحضارة.
ويشير مفهوم «رافعة الحضارة» إلى تحول قدرة الدولة على ادعاء الانتماء المتزامن إلى أكثر من حوض حضاري، إلى مضاعف للقوة الاستراتيجية في النظام الدولي. فتركيا، بحكم عضويتها في المؤسسات الغربية (حلف الناتو، ومجلس أوروبا، ومجموعة العشرين)، هي فاعل يعرف من الداخل لغة المؤسسات الغربية، والمعايير القانونية، والثقافة الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، هي فاعل يحمل الإرث التاريخي للعالم الإسلامي، وله روابط ثقافية ولغوية مع العالم التركي، ومنخرط في الواقع الجغرافي والتاريخي للشرق الأوسط. وهذا الانتماء المزدوج ينتج موقفاً «كلاهما وكلاهما» لا يتسع له منطق «إما هذا أو ذاك» في نظريات العلاقات الدولية التقليدية. وهذه المكانة تحديداً هي التي توفر أرضية الثقة اللازمة لعمل الدبلوماسية الاستخباراتية.
تنبع قوة الرافعة من قدرتها على التمركز بين مركزَي ثقل مختلفين. وتستطيع مؤسسة الاستخبارات التركية، بالتحرك وفق هذا المبدأ تحديداً، أن تجمع في بوتقة واحدة بين القدرة التقنية والموثوقية المؤسسية اللتين تمنحهما لها مكانتها كمؤسسة ضمن البنية الأمنية للغرب، والقرب الثقافي الناتج عن كونها فاعلاً قادراً على فهم الثقافة السياسية للشرق وحساسياته. وهذا المزيج يحول منظمة الاستخبارات الوطنية التركية من مجرد جهاز استخبارات إلى مؤسسة مترجمة استراتيجية تنتج، في الوقت نفسه، لغة يمكن التحاور بها بين الأزمات.
الانعكاسات العملياتية: من الوساطة إلى إدارة الأزمات
لقد أظهرت الممارسة الدبلوماسية الملموسة خلال السنوات الأخيرة بوضوح أن هذا الإطار المفاهيمي لا يقتصر على نقاش نظري مجرد. فإمكانية إجراء مفاوضات ممر الحبوب في إسطنبول خلال أكثر مراحل الحرب الروسية الأوكرانية حساسية، ترتبط بصورة مباشرة بكون تركيا واحدة من الفاعلين النادرين القادرين على بناء الثقة في الوقت نفسه لدى موسكو وكييف. وبالمثل، فإن الدور الذي لعبته أنقرة خلف الكواليس في مفاوضات تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل أدى وظيفة جسر للثقة لم يكن بوسع أي جهاز استخبارات غربي أن يتولاها. كما تعمل الاتصالات الاستخباراتية المنتظمة مع إيران باعتبارها آلية هادئة لكنها فعالة تحول دون تحول التوترات الإقليمية إلى تصعيد خارج عن السيطرة. أما التعاون الاستخباراتي الذي جرى تطويره مع دول الخليج، فقد نقل تركيا إلى موقع الشريك الذي لا غنى عنه في مرحلة يعاد فيها تشكيل البنية الأمنية الإقليمية.
والقاسم المشترك بين هذه الأمثلة هو الآتي: لا يمكن تفسير أي منها بمنطق التحالف التقليدي. فمنطق التحالف التقليدي يقوم على مبدأ «عدو صديقي هو عدوي»، ويفترض وجود تمييز حاد بين الأطراف. أما الدبلوماسية الاستخباراتية متعددة الحضارات، فعلى العكس تماماً، تضع القدرة على إقامة علاقات متزامنة وسليمة مع الأطراف المتصارعة باعتبارها فضيلة. وهذا ليس «حياداً» بالمعنى التقليدي أيضاً؛ لأن مصالح تركيا الخاصة وأولوياتها الأمنية ورؤيتها الإقليمية الخاصة تكون دائماً حاضرة على الطاولة. والمقصود هنا هو القدرة على استخدام التعددية ليس باعتبارها سياسة توازن سلبية، بل باعتبارها رصيداً دبلوماسياً نشطاً.
تحول النظام العالمي وموقع تركيا
بينما يتطور النظام الدولي من النظام أحادي القطب الذي نشأ بعد الحرب الباردة إلى بنية متعددة الأقطاب ومتعددة المراكز، تفقد أدوات سياسة الكتل التقليدية وظائفها تدريجياً. وفي مثل هذه المرحلة، تواجه الجهات التي تظل مرتبطة بإحكام بحوض حضاري واحد صعوبات هيكلية في التواصل مع الأحواض الأخرى. ويكاد يكون من المستحيل، بحكم هويتها المؤسسية، أن تقيم وكالة استخبارات غربية قناة مباشرة وموثوقة مع طهران أو حماس. وبالمثل، فإن قدرة أجهزة الاستخبارات الروسية أو الإيرانية على إقامة اتصالات سريعة وموثوقة مع العواصم الغربية في أوقات الأزمات محدودة. أما تركيا، فتبرز تحديداً في هذا الفراغ الهيكلي باعتبارها واحدة من نقاط الالتقاء النادرة التي يمكن للطرفين الوثوق بها.
ويمنح هذا الموقع تركيا قيمة استراتيجية ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً. ذلك أن القيمة الحقيقية في عالم متعدد الأقطاب تكمن في القدرة على إقامة اتصال موثوق بين مراكز القوة. فإدارة الأزمات بين القوى النووية، وحروب الوكالة، والتوترات على طرق الطاقة، تتطلب من النظام فاعلاً واحداً على الأقل: فاعلاً يستطيع الجميع التحدث إليه، ولا يستطيع أحد استبعاده بالكامل. وتؤدي الدبلوماسية الاستخباراتية التركية تحديداً هذه الوظيفة التي تلبي هذه الحاجة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











