ترك برس

سلطت الزيارة المفاجئة التي أجراها رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى العاصمة اليونانية أثينا الضوء مجددا على طبيعة العلاقات المعقدة بين تركيا واليونان، في ظل تراكم ملفات الخلاف التاريخية وظهور تطورات إقليمية جديدة تضيف مزيدا من التوتر إلى العلاقة بين الجارين.

ويرى الكاتب والخبير التركي يحيى بستان، في مقال بصحيفة يني شفق، أن زيارة قالن، ولقاءه رئيس جهاز الاستخبارات الوطني اليوناني ثيميستوكليس ديميريس، جاءت في توقيت بالغ الأهمية، وتحمل دلالات تتجاوز ما أعلن رسميا عن بحث العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية وسبل تعزيز التعاون بين جهازي الاستخبارات.

وبحسب الكاتب، فإن ما رشح إلى وسائل الإعلام عن الزيارة يمثل الإطار العام للمباحثات، بينما تكشف المعلومات المتداولة في الكواليس عن رسائل تركية واضحة وحازمة نقلها قالن إلى الجانب اليوناني بشأن الخطوط الحمراء لأنقرة ومستقبل العلاقات بين البلدين.

خلافات قديمة في بيئة إقليمية جديدة

ويشير بستان إلى أن العلاقات التركية اليونانية اتسمت تاريخيا بتعدد أبعادها وتقلباتها، بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح، لكنها تحمل في الوقت ذاته ملفات خلافية مزمنة كادت في بعض المراحل أن تدفع العلاقات إلى حافة الأزمات.

وتشمل هذه الملفات الجرف القاري في بحر إيجه، وتسليح الجزر، وقضية قبرص، وخطوط منطقة معلومات الطيران "FIR"، فضلا عن المناطق التي تختلف الدولتان بشأن وضعها القانوني.

لكن الكاتب يرى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جعلت هذه الخلافات أكثر تعقيدا، وأسهمت في رفع مستوى التوتر بين أنقرة وأثينا.

ويضع بستان هذه التحولات ضمن مجموعة من العوامل السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي أعادت تشكيل البيئة التي تتحرك فيها العلاقات بين البلدين.

نهاية الحرب الباردة وغياب التوازن القديم

في مقدمة هذه العوامل، يضع الكاتب انتهاء الحرب الباردة، التي كانت توفر، بحسب رأيه، مظلة ضاغطة تبقي العلاقات التركية اليونانية ضمن مسار محدد.

فمع انتهاء تلك المرحلة، لم يتشكل نظام عالمي أو إقليمي جديد قادر على فرض توازن مستقر، الأمر الذي أدى إلى مرحلة انتقالية تتسم بالغموض وعمليات إعادة التموضع، وتنتج بدورها مستويات أعلى من التوتر.

كما يرى بستان أن اليونان تستفيد في علاقاتها مع تركيا من "رافعة الاتحاد الأوروبي"، إذ يمنحها التوازن داخل التكتل الأوروبي هامشا أوسع للتحرك ويشجعها، من وجهة نظر الكاتب، على اتخاذ مواقف أكثر تشددا.

شرق المتوسط وظهور جغرافيا جديدة للصراع

ويعتبر الكاتب أن اكتشافات الهيدروكربونات في شرق البحر المتوسط شكلت بدورها أحد أبرز مصادر التوتر الجديدة.

فبحسب قراءته، تعرضت تركيا خلال العقد الماضي لمحاولات تطويق عبر تحالفات إقليمية تشكلت في شرق المتوسط، قبل أن تنجح أنقرة في إرباك هذه المعادلة من خلال تدخلها في ليبيا.

وأدى ذلك، وفق الكاتب، إلى تصاعد الخلافات حول المناطق الاقتصادية الخالصة والحدود البحرية، وظهور خرائط ومقاربات يونانية وصفها بأنها "قصوى"، مثل خرائط إشبيلية، الأمر الذي دفع تركيا إلى إبراز مفهوم "الوطن الأزرق" بوصفه إطارا استراتيجيا لمصالحها وحقوقها البحرية.

تحول في موازين القوة

ويتوقف بستان عند التحولات التي شهدتها القدرات الدفاعية التركية مقارنة بالماضي.

فخلال الحرب الباردة، كانت كل من تركيا واليونان تعتمد بدرجات كبيرة على الخارج في تلبية احتياجاتها الدفاعية، فيما كانت الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على نوع من التوازن بين البلدين.

لكن تركيا، بحسب الكاتب، قلصت اعتمادها الخارجي بصورة ملحوظة عبر الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية، وهو ما أدى إلى تغير حالة التماثل السابقة بين القدرات العسكرية للطرفين.

ويضيف إلى ذلك أن الحرب الروسية الأوكرانية أحدثت تحولا في النظرة الدولية إلى مبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، الأمر الذي أثار مخاوف في أثينا وأعاد الاعتبارات الأمنية إلى صدارة حساباتها.

تركيا الصاعدة والبحث اليوناني عن توازن جديد

ويرى الكاتب أن تركيا تمكنت في السنوات الأخيرة من تعزيز تمركزها كقوة إقليمية، وعملت على معالجة عدد من ملفاتها الإشكالية عبر الجمع بين أدوات القوة الصلبة والقوة الناعمة.

ويشير في هذا السياق إلى ملفات حزب العمال الكردستاني "PKK"، وسوريا، وأرمينيا، معتبرا أن معالجة هذه القضايا تترك أمام أنقرة مساحة أكبر للتركيز على الملفات المرتبطة باليونان، وفي مقدمتها قبرص وبحر إيجه.

وفي المقابل، يرى بستان أن تحسن لغة العلاقة بين تركيا والغرب، وإعادة بناء الروابط على أساس المصالح المشتركة، أضعف من فاعلية "الرافعة الغربية" التي كانت أثينا تعتمد عليها في مواجهة أنقرة.

ويعتقد الكاتب أن اليونان تشعر بالانزعاج من تحسن العلاقات التركية الغربية، وتحاول، وفق قراءته، خلق أجواء من التوتر عبر تصريحات أو خطوات قد تؤدي إلى تسميم هذا المناخ، من بينها فتح ملفات جديدة مثل المتنزهات البحرية.

كما يشير إلى مساعي أثينا لاستخدام نفوذها من أجل إبعاد تركيا عن بعض برامج التعاون الدفاعي، مثل قروض "SAFE" وبرنامج مقاتلات "إف-35".

التحالف مع إسرائيل.. مصدر قلق في أنقرة

ومن أكثر النقاط التي يركز عليها بستان في تحليله، التقارب الأمني المتنامي بين اليونان وإسرائيل.

ويرى أن أثينا لم تعد تعتبر المظلتين الأمنية الأوروبية والأطلسية كافيتين لضمان أمنها، ما دفعها إلى البحث عن ترتيبات أمنية إضافية مع تل أبيب.

ويذهب الكاتب إلى أن إسرائيل تسعى من خلال هذه العلاقة إلى تعزيز حضورها في اليونان وقبرص الرومية، وتحويلهما إلى منصات ذات أهمية استراتيجية في مواجهة تركيا.

ويربط بستان بين هذا المسار وعدد من التطورات، من بينها ترتيبات الدفاع الجوي، والجهود المتعلقة بوضع قبرص، والمبادرات التي تستهدف الوجود العسكري التركي في الجزيرة.

وبحسب الكاتب، فإن هذه التطورات، إلى جانب محاولات استغلال أزمات إقليمية لإحداث تغيير في الوضع القائم بقبرص، أثارت قلقا متزايدا في أنقرة.

وفي هذا الإطار، يلفت إلى تصريحات للرئيس رجب طيب أردوغان عقب عودته من قرغيزستان، والتي تناول فيها قضية الجزر، مؤكدا أن حديثه عن دور التاريخ في استخلاص الدروس حمل رسائل لافتة إلى الجانب اليوناني.

زيارة قالن ورسائل خلف الأبواب المغلقة

في هذه الأجواء، جاءت زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى أثينا.

ووفقا للمعلومات التي تناولتها وسائل الإعلام اليونانية ثم التركية، بحث قالن مع رئيس جهاز الاستخبارات اليوناني العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، إلى جانب المشكلات القائمة وسبل معالجتها.

كما اتفق الطرفان، بحسب ما أوردته التقارير، على تعزيز التعاون الوثيق بين جهازي الاستخبارات في القضايا الثنائية والإقليمية.

لكن الكاتب يرى أن هذه المعلومات لا تكشف سوى الجانب العلني من الزيارة، فيما حملت المباحثات، بحسب ما نقله عن مصادر من الكواليس، مجموعة من الرسائل التركية المباشرة.

حسن النية لا يعني التراجع عن الحقوق

وتتمثل الرسالة الأولى، وفقا لما ينقله بستان، في أن تركيا تريد مواصلة نهجها القائم على حسن النية والبناء في علاقاتها مع اليونان، لكنها لن تتراجع عن موقفها الحازم في حماية حقوقها ومصالحها.

أما الرسالة الثانية، فتتعلق برغبة أنقرة في تطوير مجالات التعاون بين البلدين، مع التأكيد في الوقت نفسه على رفض أي محاولات لفرض أمر واقع من جانب واحد في بحر إيجه أو شرق المتوسط.

ويشمل ذلك، بحسب الكاتب، رفض تغيير الوضع القائم في بحر إيجه من خلال تسليح الجزر.

تحذير من المسارات الأمنية الجديدة

وفي الرسالة الثالثة، نقل الكاتب أن أنقرة تعتبر محاولات اليونان تشكيل خط أمني جديد في المنطقة عبر إسرائيل "مسارا خاطئا".

وتعكس هذه الرسالة، وفق قراءة بستان، حجم القلق التركي من التحالفات والترتيبات الأمنية الجديدة التي تشهدها المنطقة، ومن احتمال استخدامها لتغيير التوازنات القائمة أو ممارسة ضغوط على أنقرة.

أما الرسالة الرابعة، فتقوم على التأكيد أن تركيا لا تشكل تهديدا لليونان، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بأي تطورات يمكن أن تمس حقوقها ومصالحها الوطنية.

بين الحوار والحزم

ويخلص يحيى بستان إلى أن زيارة إبراهيم قالن إلى أثينا ينبغي قراءتها في سياق أوسع من مجرد لقاء بين رئيسي جهازي استخبارات.

فهي، بحسب رؤيته، جاءت في لحظة تشهد فيها العلاقات التركية اليونانية تراكما في الخلافات التقليدية، بالتوازي مع تحولات في موازين القوى الإقليمية وظهور تحالفات أمنية جديدة.

ويشير الكاتب إلى أن أنقرة حافظت خلال الفترة الماضية على قدر كبير من ضبط النفس إزاء التصريحات اليونانية، إدراكا منها لحساسية المرحلة ولأهمية عدم السماح بتعطيل مسار تحسن علاقاتها مع الغرب.

لكن التطورات الأخيرة، ولا سيما في ما يتعلق بقبرص والتحالف اليوناني الإسرائيلي، دفعت تركيا، بحسب بستان، إلى رفع مستوى وضوح رسائلها.

وبذلك، تجمع أنقرة في خطابها تجاه أثينا، وفق رؤية الكاتب، بين عرض التعاون والحوار من جهة، والتشديد على حماية الحقوق والمصالح ومنع فرض الأمر الواقع من جهة أخرى، في رسالة أراد رئيس الاستخبارات التركية أن ينقلها إلى أثينا بوضوح ومن دون التباس.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!