ترك برس

يرى الكاتب والخبير التركي جوشكون باشبوغ أن الاتفاق الدفاعي الأخير بين اليونان وإسرائيل يعكس، بحسب قراءته، ارتهانًا متزايدًا للسياسة اليونانية لقوى خارجية، متسائلًا عن جدوى إنفاق أثينا مبالغ ضخمة على منظومات تسليح إسرائيلية لمواجهة تهديد تركي يقول إن بلاده لا تسعى إليه ما دامت اليونان تلتزم بعدم الإضرار بمصالح تركيا.

وفي مقال بصحيفة "ستار" التركية، انتقد باشبوغ بشدة تصريحات وزير الصحة اليوناني ونائب رئيس حزب "الديمقراطية الجديدة" الحاكم، أدونيس جورجياديس، بشأن الاتفاق مع إسرائيل، ولا سيما قوله إن التحالف مع تل أبيب "يضمن حرية الدولة اليونانية في مواجهة تهديدات قد تأتي من تركيا أو أماكن أخرى".

ويعتبر الكاتب أن هذه التصريحات تكشف، من وجهة نظره، عن تناقض في الخطاب السياسي اليوناني، متسائلًا عن معنى الحديث عن "حرية" دولة إذا كانت أثينا تحتاج إلى تحالف مع طرف خارجي لضمان أمنها واستقلال قرارها.

اتفاق دفاعي هو الأكبر بين أثينا وتل أبيب

ويتوقف باشبوغ عند اتفاق الدفاع الجوي الذي وقعته اليونان وإسرائيل في تل أبيب تحت اسم "درع أخيل"، واصفًا إياه بأنه أكبر اتفاق دفاعي بين البلدين حتى الآن.

وبموجب الاتفاق، من المقرر أن تحصل اليونان على منظومات دفاع جوي إسرائيلية متقدمة، من بينها "سبايدر" و"مقلاع داود" و"باراك إم إكس"، على أن تشارك الصناعات الدفاعية اليونانية بنسبة 25 بالمئة في المشروع، فيما يُتوقع دخول الأنظمة الخدمة خلال نحو 35 شهرًا.

ويرى الكاتب أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بقدرات هذه المنظومات، وإنما بمدى حاجة اليونان إليها، خصوصًا في ظل ما يعتبره وضعًا اقتصاديًا لا يسمح لأثينا بتحمل أعباء مالية إضافية بسهولة.

ويطرح باشبوغ تساؤلات حول جدوى "استدانة اليونان بأموال غير متوفرة" لشراء أسلحة يقول إنها ليست بحاجة فعلية إليها، فضلًا عن المخاطر السياسية التي قد تترتب على تعميق التعاون الدفاعي مع إسرائيل.

"من يبيع لليونان الخوف من تركيا؟"

ويعتبر الكاتب أن تبرير هذه الصفقات يقوم على فرضية مفادها أن تركيا تستعد لمهاجمة اليونان، وأن على أثينا، بالتالي، مواصلة التسلح.

ويرفض باشبوغ هذا التصور، معتبرًا أن تركيا لا تمثل تهديدًا لليونان ما دامت الأخيرة، بحسب تعبيره، "تلتزم الهدوء" ولا تتخذ خطوات تضر بالمصالح التركية.

ويذهب الكاتب إلى أن فارق القدرات البشرية والجغرافية بين البلدين يجعل من الصعب، في قراءته، اعتبار اليونان ندًا لتركيا، مؤكدًا أن أنقرة، برأيه، لا تتحرك عسكريًا ضد اليونان بسبب اليونان نفسها، وإنما بسبب القوى التي تقف خلفها وتدفعها إلى تبني سياسات يعتبرها الكاتب معادية لتركيا.

وفي هذا السياق، يدعو باشبوغ أثينا إلى "التعقل"، محذرًا من أن استمرارها في سياسات الاستفزاز، وفق توصيفه، قد يقود إلى نتائج لا تصب في مصلحتها.

فجوة بين السياسة والشارع

ويخصص الكاتب جانبًا من مقاله للحديث عن الموقف الشعبي في اليونان، معتبرًا أن هناك فجوة واسعة بين توجهات الحكومة وسياساتها الخارجية وبين المزاج الشعبي.

ويقول باشبوغ إن اليونانيين ينتقدون بشدة الطبقة السياسية التي تدير بلادهم، وإن قطاعًا واسعًا من المجتمع لا يوافق على السياسات التي تنتهجها الحكومة، مستشهدًا بما أورده عن استطلاعات رأي تفيد بأن 75 بالمئة من اليونانيين يحملون مشاعر سلبية تجاه إسرائيل.

كما يشير إلى احتجاجات شعبية في اليونان على التعاون مع إسرائيل، وإلى وقائع مرتبطة باحتجاجات في الموانئ ضد وصول سفن سياحية إسرائيلية أو يهودية، ليخلص إلى أن الشارع اليوناني، بحسب رؤيته، لا يسير بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي تسلكه الحكومة.

ويرى باشبوغ أن المشهد في اليونان يشبه، على حد تعبيره، عجلة تسير باتجاهين مختلفين؛ إذ تتحرك السياسة الرسمية نحو مزيد من التقارب مع إسرائيل، بينما يتبنى جزء كبير من المجتمع موقفًا مغايرًا.

دعوة إلى إعادة النظر في المسار

ويختتم باشبوغ مقاله بتوجيه نصيحة إلى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، داعيًا إياه إلى النظر في تجربة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان.

ومن خلال هذه الإشارة، يحث الكاتب أثينا على إعادة تقييم خياراتها الإقليمية، وعدم بناء سياستها الأمنية على أساس مواجهة دائمة مع تركيا أو الارتهان لتحالفات خارجية، معتبرًا أن مصالح الشعب اليوناني تقتضي، من وجهة نظره، اعتماد سياسة أكثر واقعية تجاه أنقرة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!