ترك برس

في خضم تصعيد متبادل يستهدف عمق الخصم، يقدّم غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، قراءة دقيقة للضربة الليلية التي شنّتها أوكرانيا على منشآت نفطية ولوجستية روسية، ويربطها بأبعاد سياسية واقتصادية تتجاوز ساحة المعركة التقليدية.

يشرح توكماك أوغلو في مقال بموقع إندبندنت تركية، أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كشف تفاصيل الضربة بالتفصيل. كان الهدف الرئيسي مصفاة «غازبروم نفت» في منطقة كابوتنيا ومرفقاً لوجستياً في سوفيينو، إلى جانب نقطة صناعية في فورونيج. 

واستُخدمت في العملية منظومات متنوعة شملت إف بي-1، آر زد-100، ميش-2000، باليانيتسيا، فينديتا، ليوتي، بارس، فلامينغو، سيشن، وبليكان. وشاركت في التنفيذ أجهزة الأمن الأوكرانية (إس بي يو) وأنظمة الطائرات المسيرة والقوات الخاصة والاستخبارات العسكرية (إتش يو آر) والاستخبارات الخارجية معاً.

ويرى الكاتب أن هذه القائمة ليست مصادفة. فأوكراينيا لم تعد تعتمد على موجة واحدة من الطائرات المسيرة، بل باتت تضرب بمزيج من المدى والمنصات المختلفة. فالضربة العميقة لم تعد امتداداً لخط الجبهة، بل أصبحت استهدافاً مباشراً لاقتصاد الحرب.

أما الرواية الروسية فقد قدّمت الأرقام بصيغتها الخاصة: 1110 طائرة مسيرة في تلك الليلة، وأكثر من 1600 منذ يوم السبت بحسب عمدة موسكو سيرغي سوبيانين، منها 450 اقتربت من العاصمة. ودخلت عدة مركبات منطقة المصفاة، وسقط مدنيان قتيلان. ورَمَز سوبيانين الهجوم بأنه «مخطط لتعطيل الانتخابات»، في إشارة إلى انتخابات مجلس الدوما التي تُجرى بين 18 و20 أيلول/سبتمبر، وهي الأولى بعد اندلاع الحرب. لكن الكاتب يؤكد أن الصندوق لن يسقط، أما الأثر الحقيقي فهو تذكير سكان العاصمة في صباح واحد بطوابير الوقود وبتكلفة شبكة الدفاع الجوي.

ويشدّد توكماك أوغلو على أن المنشأة المستهدفة ليست هامشية. فطاقتها السنوية تبلغ 11.6 مليون طن، أي ما يعادل تقريباً ثلث وقود العاصمة. واستُهدفت وحدات التكرير المتكاملة والأزمرة (AVT-6). أما الأثر الدائم للضرر فلا يظهر في صور النيران، بل في كميات البنزين والديزل التي ستخرج بعد أسابيع.

ويقرأ الكاتب خاتمة زيلينسكي بوصفها سياسية بامتياز: موسكو لا ينبغي أن تبني دفاعاً جوياً متعدد الطبقات على حساب المناطق الأخرى، وطاولة خفض التصعيد في مجالي الطاقة والغذاء موجودة، وما ينقص هو الإرادة. 

ويذكّر بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن بين 13 و15 أيلول/سبتمبر هدنة طاقة، لكن لا كييف ولا موسكو وقّعتا النص. وفي يوم الجمعة وُقّع حزمة عقوبات جديدة، وفي الوقت نفسه يجري الحديث عن أرضية أعمال مع موسكو. هكذا تنتج السياسة العقوبات والمفاوضات معاً، في حالة من الغموض المُدار.

وعلى الجبهة، يرى توكماك أوغلو أن الصورة ليست مرآوية. ففي عام 2026 انهار إيقاع التقدم الصافي الروسي مقارنة بعام 2025، بينما ما زال خطاب الكرملين يتحدث عن «التطهير» و«الاقتراب». وتُفتح أمام أوروبا بوابتان: الوقود والتضخم من جهة، والحدود الهجينة من جهة أخرى. فأوكراينيا وأوروبا ليستا ساحتين منفصلتين، بل طبقتان من ميدان عمليات واحد.

ويؤكد الكاتب أن السؤال الحقيقي لم يعد دفاع الوطن، بل البحث عن النصر. فهذه حرب أوكرانيا وأوروبا معاً. ولا وجود لنصر كلاسيكي، بل هناك توسّع في حجم الدمار. السياسة تستدعي الخطر، والسياسة تدير الدمار.

وينتقل توكماك أوغلو إلى المحور الثاني: ليس النفط بحد ذاته، بل المضائق الثلاثة الضيقة: مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وصادرات روسيا من المنتجات المكررة. فالحرب المرتبطة بإيران ضيّقت هرمز وجعلت تكلفة الشحن جزءاً من السعر. وتحرّكات الحوثيين حول بريم والمخا، إلى جانب الضربة على خط الشرق-الغرب السعودي، أضعفت فكرة الالتفاف حول هرمز. وهكذا لم يعد المضيقان مخاطرتين منفصلتين، بل مخاطرتين مترابطتين.

ويلاحظ أن الولايات المتحدة تحوّل سعر الديزل إلى ورقة في السياسة الداخلية. فالبيت الأبيض يوقّع عقوبات من جهة، ويعلن هدنة من جهة، ويقول إن «الممر فُتح» من جهة ثالثة. الهدف ليس النصر، بل إعادة السعر إلى جدول زمني يمكن السيطرة عليه. وثلاث عواصم تحوّل النار نفسها إلى ثلاث روايات مختلفة.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن النفط ليس سلعة عادية، بل مقياس لتغيّر الحال. والمرحلة التالية لا يشترط أن تكون حريقاً أكبر في العاصمة، بل الأرجح أن يضغط الوقود وأجور الشحن والتقويم الانتخابي بعضهم على بعض. هذه ليست سباقاً نحو النصر، بل سباقاً حول أي طاولة سيكون ثمن الدمار أغلى.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!