ترك برس

تأتي زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو في وقت تدخل فيه الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، وسط تراجع نسبي في وتيرة التقدم الروسي ميدانياً، وتصاعد الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية والطاقة والعقوبات على موسكو.

ويرى خبراء أن الزيارة، التي جرت يومي 25 و26 أغسطس/آب الجاري ولم يُعلن عنها مسبقاً، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد اتصال استخباراتي روتيني أو تحذير أمريكي لموسكو من مهاجمة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل تعكس، وفق الكاتب والمحلل العسكري التركي غورسل توكماك أوغلو، دخول طبقة الاتصالات والأقمار الصناعية والفضاء السيبراني وتبادل المعلومات الاستخباراتية إلى صميم عملية اتخاذ القرار السياسي بشأن مستقبل الحرب.

وفي مقال نشرته «إندبندنت تركية»، قال توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، إن زيارة راتكليف لاختزالها في عنوان «تحذير روسيا من مهاجمة الناتو» أو «اتصال استخباراتي روتيني» لا يقدم صورة كاملة، معتبراً أن القضية الأهم تكمن في الطبقة التي تقع خلف النقاشات المتعلقة بالسلاح والمال، والتي تشمل الاتصالات والأقمار الصناعية والبنية التحتية السيبرانية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

رسالة إلى موسكو.. واتصال لا ينقطع

أشار الكاتب إلى أن راتكليف لم يلتقِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإنما أجرى اتصالات مع مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية، فيما وصف الكرملين اللقاء بأنه جزء من «عملية إيجابية»، مع الإقرار بأن تأثيره لا يمكن قياسه بعد.

وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم الزيارة باعتبارها شبه روتينية وجزءاً من الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، في حين نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الزيارة جاءت في أعقاب تقييمات استخباراتية أمريكية تفيد بإمكانية محاولة بوتين اختبار مدى تصميم دول الناتو خلال السنوات المقبلة عبر تحركات محدودة، تتراوح من الهجمات السيبرانية إلى عمليات توغل برية صغيرة.

وبحسب توكماك أوغلو، فإن الإطار الزمني الذي تدور حوله هذه التقديرات يمتد من خريف العام الجاري وحتى 2029، مع اعتبار السيناريو الأكثر خطورة منخفض الاحتمال.

ويرى الكاتب أن ذلك يعني عدم وجود مؤشرات على بداية حرب عالمية في الميدان، وإنما وجود قناة على طاولة المفاوضات تقوم من خلالها قوتان كبيرتان بتذكير بعضهما بعضاً بـ«الخطوط الحمراء ومجالات التفاوض».

موسكو توسع لغة الضغط على أوروبا

وفي السياق ذاته، توقف الكاتب عند تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بشأن قيام بريطانيا بفتح المجال أمام إنتاج صواريخ «ستورم شادو/سكالب» داخل أوكرانيا، مع اتجاه الجانب الفرنسي إلى اتخاذ خطوة مماثلة.

واعتبر توكماك أوغلو أن تهديد موسكو باستهداف أهداف عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا وخارجها، واتهام لندن وباريس بـ«اللعب بالنار»، لا يعني بالضرورة فتح الباب أمام مواجهة نووية، بل يعكس، بحسب رأيه، محاولة لتوسيع نطاق «العقاب» في مواجهة خط تسليح وتكنولوجيا باتت أوروبا تتحمل مسؤولية مباشرة عنه.

وحذر من أن المبالغة في توصيف هذه التطورات باعتبارها «هجوماً على الناتو» أو تمهيداً لـ«حرب نووية» تخدم في الوقت نفسه لغة الضغط الروسية ومخاوف الرأي العام داخل الغرب.

ويرى أن الواقع الاستراتيجي أكثر برودة، ويتمثل في استخدام أدوات ضغط محدودة ومنتقاة وقابلة للإنكار، أو يمكن تقديمها باعتبارها «رداً» على تحركات الطرف الآخر.

الحرب تدخل مرحلة مختلفة

ويرى الكاتب أن التطورات الميدانية في السنة الخامسة للحرب تدعم هذه القراءة، مشيراً إلى تراجع وتيرة التقدم الروسي مقارنة بصيف 2025، مقابل تكثيف أوكرانيا حملة الضربات بعيدة المدى التي تستهدف بصورة منهجية المصافي ومنشآت الخدمات اللوجستية والبنية التحتية الاقتصادية داخل روسيا.

ويشير توكماك أوغلو إلى أن الرئيس الروسي اضطر إلى الاعتراف علناً بوجود أزمة في الوقود، فيما تقدر خسائر طاقة التكرير الروسية، وفق تقديرات مختلفة، بما يتراوح بين 20 و28 بالمئة، مع تسجيل عمليات تقنين وطوابير ومساعٍ لاستيراد الوقود في مناطق عدة.

ويضيف أن تراكم تكاليف العقوبات، والموارد التي تستهلكها اقتصاديات الحرب، ونقص اليد العاملة، والتغيرات في سوق الطاقة، تدفع روسيا من مرحلة «أزمة يمكن إدارتها» إلى مرحلة «أزمة تنتج تكلفة سياسية».

كما يرى أن الضغوط المرتبطة بالعقوبات والاستخبارات على الجبهة الإيرانية تضيف عبئاً آخر على موسكو، معتبراً أن هذه التطورات ليست من الأمور التي يمكن أن تغيب عن حسابات واشنطن وموسكو.

السلاح ليس العنصر الحاسم وحده

ويضع الكاتب ما يعتبره «الطبقة المهملة» من الحرب في صدارة تحليله، قائلاً إن المسألة الأساسية منذ بداية الحرب لم تكن السلاح نفسه، وإنما البنية التي تجعل السلاح فعالاً.

وأوضح أن أهم ما حصلت عليه أوكرانيا منذ 24 فبراير/شباط 2022 لم يكن الأسلحة وحدها، بل منظومات الاتصالات، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والقدرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

وبينما انصب النقاش العلني على الطائرات المسيرة والصواريخ ومنظومات «باتريوت»، رأى توكماك أوغلو أن منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة (C4ISR)، إلى جانب استخبارات تحديد الأهداف، شكلت العمود الفقري الذي مكّن أوكرانيا من الصمود وتنفيذ الضربات في العمق.

وأشار إلى أنه في عهد ترامب، ومع خفض الأسلحة والمساعدات المالية بصورة حادة، أُعيد فتح خط التعاون الاستخباراتي بعد توقف قصير عام 2025، بل جرى تعزيزه، وفق بعض التقييمات، بما يزيد دقة الضربات بعيدة المدى.

أوروبا أمام معادلة جديدة

بحسب الكاتب، تتحمل أوروبا قسماً متزايداً من أعباء الأسلحة والميزانيات، لكن المساهمة الأمريكية التي لا يزال من الصعب استبدالها تتمثل في الاستهداف والأقمار الصناعية والاستخبارات.

ومن هنا، يعتبر أن مقولة «توقفت الأسلحة، إذن انتهت الحرب» خاطئة، موضحاً أن القرار الأهم يتمثل في كيفية استخدام ما تبقى من الدعم الاستخباراتي والاتصالاتي الأمريكي.

ويرى توكماك أوغلو أن هذا العامل يكشف بوضوح عن التباين بين إدارة ترامب وأوروبا بشأن الحرب.

ويقول إن ترامب كان منذ البداية الطرف الذي يريد إنهاء الحرب، مستشهداً بالحوار مع بوتين، والمبعوثين الخاصين، ومسار ألاسكا، والصورة التي يسعى ترامب إلى تكريسها باعتباره «صانع السلام» أو صاحب «جائزة السلام».

ويضيف أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 يزيد الحاجة إلى تحقيق نتيجة ملموسة في ملف السياسة الخارجية.

في المقابل، يرى الكاتب أن أوروبا، سواء من خلال الناتو أو الاتحاد الأوروبي، تفضل إبقاء أوكرانيا صامدة بهدف إبقاء الضغط الروسي المحتمل على أوروبا عند أدنى مستوى ممكن.

الحرب بالنسبة إلى أوروبا «أداة» لا هدف

يعتبر توكماك أوغلو أن الحرب لم تعد بالنسبة إلى أوروبا هدفاً بحد ذاتها، وإنما أصبحت أداة لاحتواء روسيا، وكسب الوقت، وسد فجوات التسلح وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.

ولهذا السبب، يرى أن أوروبا لا تتعجل الذهاب إلى طاولة المفاوضات وقبول «الخط الحالي» باعتباره أمراً واقعاً، في حين لا ترغب واشنطن في استمرار حرب لم تعد تحقق لها عائداً سياسياً أو استراتيجياً يتناسب مع تكلفتها.

ويرى الكاتب أن موسكو تدرك هذه المعادلة أيضاً، إذ لا توجد، بحسب تقييمه، صورة انتصار حاسم في الميدان، وإنما «تغير في الوضع».

ويعتقد أن الضغوط الاقتصادية وضغوط الوقود، إلى جانب التضييق الاستخباراتي ونقل التكنولوجيا الأوروبية، تدفع موسكو إلى استخدام أدوات ضغط أقوى تجاه أوروبا.

ويخلص إلى أن الهدف الروسي ليس هزيمة الناتو عسكرياً في الميدان، وإنما دفع أوروبا إلى إدراك أن «تكلفة الحرب ستصل إليها أيضاً».

زيارة راتكليف.. تحذير وقناة تفاوض في الوقت نفسه

في ضوء ذلك، يرى توكماك أوغلو أن زيارة راتكليف إلى موسكو يمكن أن تكون في الوقت نفسه رسالة تحذير وقناة اتصال.

فواشنطن، بحسب تحليله، قد تكون سعت من خلالها إلى تذكير موسكو بخط أحمر واضح يتمثل في عدم اختبار الناتو، وفي الوقت نفسه اختبار إمكانية فتح أرضية تفاوضية على المستوى الاستخباراتي بشأن كيفية إنهاء الحرب.

ويعتبر الكاتب أن السؤال الذي سيتضح خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت أوكرانيا ستأتي إلى طاولة المفاوضات ضمن إطار تقبل فيه، بموافقة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، واقع الجبهة الحالي، أي خط السيطرة الفعلي.

ويرى أن الضغوط متعددة الأطراف تدفع في هذا الاتجاه؛ فواشنطن تحسب الوقت والتكلفة، وموسكو تحسب الاستنزاف والتوتر الاقتصادي الداخلي، بينما توازن أوروبا بين الحاجة إلى «المزيد من الوقت» وبين سؤال أكثر صعوبة: «هل يمكنني تحمل العبء من دون المظلة الاستخباراتية الأمريكية؟».

ويخلص توكماك أوغلو إلى أنه إذا تحول ما تبقى من الدعم الاستخباراتي والأقمار الصناعية الأمريكي إلى أداة ضغط سياسية، فإن إعادة أوروبا لتسعير سياستها تجاه أوكرانيا ستكون أمراً لا مفر منه.

وبحسب الكاتب، فإن المرحلة الحالية ليست مشهداً لحرب عالمية، وإنما مرحلة «دُعيت فيها أوروبا إلى طاولة المفاوضات»، وتقدمت فيها طبقة الاستخبارات على النقاش المتعلق بالسلاح، وأصبح «تغيير الوضع» بدلاً من «النصر» هو موضوع التفاوض.

ويرى أن عملية اتخاذ القرار قد بدأت بالفعل، وأن الطرف الذي سيتعين عليه تقديم الإجابة في وقت مبكر هو أوروبا، التي تبدو، وفق تحليله، الأكثر إصراراً على التعامل مع الحرب باعتبارها أداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!