ترك برس

يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أسرع التقنيات انتشاراً في تاريخ البشرية، ولا يقتصر أثره على أنماط الإنتاج، بل يعيد تعريف مفهوم الأمن الدولي نفسه. ويطرح الأستاذ المشارك الدكتور نجم الدين أجار، في مقال نشره موقع «فوكوس بلاس»، السؤال المحوري: هل يمكن إقامة نظام دولي جديد يقيّد سلوك الدول والفاعلين غير الحكوميين في هذا المجال، ويقيم منظمة تتولى تنفيذه؟

يشير أجار إلى أن الأسلحة الذاتية التشغيل، والتضليل الجماعي، والهجمات السيبرانية، والأنظمة التي قد تفلت من السيطرة، لم تعد سيناريوهات افتراضية، بل أصبحت عناوين تهديد ملموسة على موائد الدول. ويذكر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن «أفق الأمن السيبراني العالمي 2026» أن الثغرات الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمثّل أسرع المخاطر السيبرانية نمواً، بينما يُظهر استخدام الفاعلين المرتبطين بالدول لهذه التقنية في العمليات السيبرانية أنها تعزّز قدرات الهجوم والدفاع في آن واحد. وقد دفعت هذه التطورات بالذكاء الاصطناعي إلى صدارة الأجندة الدولية بوصفه مشكلة أمنية عالمية تحتاج إلى ضبط.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر بنيويورك تحت شعار «إعادة بناء الثقة وإدارة التحوّل»، حيث نوقش الذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع نزع السلاح النووي والأمن الدولي. ودعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى إقامة حواجز أمنية ملزمة فوراً، محذّراً من أن الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي، إن لم تُضبط، ستعمّق كل أشكال عدم المساواة الأخرى من الدخل إلى الفرص ومن الأمن إلى السيادة. ويضع هذا النداء السؤال الأساسي على الطاولة: من سيسيطر على سرعة الذكاء الاصطناعي، وبأي قواعد، ولصالح من؟

ويعيد أجار بناء الإطار النظري مستنداً إلى تعريف ستيفن كراسنر الكلاسيكي للأنظمة الدولية. فالنظام الدولي هو مجموعة المبادئ والأعراف والقواعد وإجراءات اتخاذ القرار التي يشكّلها الفاعلون الدوليون لتحقيق توقعات متقاربة في مجال معين. المبادئ معتقدات مبنية على علاقات سبب ونتيجة، والأعراف معايير سلوك تُحدَّد عبر الحقوق والمسؤوليات، والقواعد تحظر أو تنظّم أفعالاً محددة، بينما الإجراءات هي الممارسات السائدة لتحديد الاختيارات الجماعية وتطبيقها. وفي نظام دولي لا يخضع فيه الدول لسلطة عليا، تتيح هذه الأنظمة التعاون المؤسسي القائم على القواعد، وتوجّه سلوك الدول وغير الدول على حد سواء. ويتولى تنفيذ القواعد منظمات دولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لنظام منع انتشار الأسلحة النووية، أو منظمة التجارة العالمية لنظام التجارة، أو منظمة الطيران المدني الدولي للطيران المدني.

ويُفسَّر نشوء الأنظمة على ثلاثة مستويات. على المستوى البنيوي، تكون القوة والهيمنة حاسمتين، حيث تحدّد توازنات القوى من يملك الكلمة في المفاوضات. وعلى المستوى المعرفي، تلعب المعرفة والأفكار دوراً بارزاً عبر شبكات الخبراء والمجتمعات المعرفية التي تنتج فهماً مشتركاً. أما على المستوى المؤسسي، فيبرز مشكل العمل الجماعي، إذ يتردد كل طرف في التضحية منفرداً، فيدخل في عملية تفاعلية بحثاً عن حلول يقبلها الجميع.

وينتقل الكاتب إلى تصنيف التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في ثلاث فئات رئيسية وردت في التحليلات الحديثة. الأولى هي الاستخدام الخبيث، وهو الأكثر ملموسية وتوثيقاً. فاستخدام الفاعلين المرتبطين بالدول للذكاء الاصطناعي في العمليات السيبرانية يزيد سرعة الهجمات وحجمها ودقة الاستهداف. وقد وثّق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أول هجوم «وكيلي» بالذكاء الاصطناعي يغطي كل مراحل التجسس السيبراني من الاستطلاع إلى تسريب البيانات، بينما رأى 87% من المشاركين في استطلاع شمل 804 من كبار المسؤولين من 92 دولة أن الثغرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هي الأسرع نمواً. وتشمل هذه الفئة أيضاً أنظمة الأسلحة الذاتية، والتضليل الجماعي ومحتويات التزييف العميق، وتعزيز القدرة على تطوير أسلحة بيولوجية. ويؤكد تقرير لجنة الأمن القومي الأميركية للذكاء الاصطناعي أن هذه التطورات ستغيّر توازن القوى العسكرية جذرياً، وقد تهدد الاستقرار الديمقراطي عبر التدخل في الانتخابات وتآكل الثقة المجتمعية.

والفئة الثانية تتعلق بمخاطر الأعطال الناجمة عن مشكلات الموثوقية وفقدان السيطرة. فسلوك الأنظمة غير المتوقع، خاصة عند استخدامها في البنى التحتية الحيوية والأنظمة العسكرية، يفتح سيناريوهات قد تفلت من الرقابة. وقد شدّد بيان الخبراء حول مخاطر الذكاء الاصطناعي الصادر عام 2023 على ضرورة التعامل مع هذه المخاطر بأولوية عالمية تماثل الحرب النووية والجوائح.

أما الفئة الثالثة فتتعلق بالمخاطر النظامية على المستوى المجتمعي، كما أبرزها تقرير الأمم المتحدة «إدارة الذكاء الاصطناعي من أجل البشرية»، الذي يحذّر من تحوّل سوق العمل وتآكل استقلالية الإنسان وفقدان الشفافية في اتخاذ القرار. ويكشف التقرير عن فجوة تمثيل خطيرة، إذ تبقى 118 دولة خارج المبادرات الحالية للحوكمة، ويحذّر من أن الآثار ستكون أعمق في الدول النامية، مما يعمّق التفاوتات العالمية. وهكذا لم يعد تهديد الذكاء الاصطناعي سيناريو افتراضياً، بل مشكلة أمنية دولية موثّقة تستوجب تعاوناً دولياً فعّالاً.

ويرى أجار أن بناء نظام دولي في هذا المجال يجمع بين الضرورة والصعوبة. فعلى المستوى المعرفي تحقق تقدّم ملحوظ عبر تقارير السلامة الدولية وأعمال المجلس الاستشاري للأمم المتحدة، مما أدّى إلى تكوّن معرفة مشتركة ومجتمعات معرفية ترى التهديد مشكلة جماعية. وعلى المستوى المؤسسي تمثّل أجندة الجمعية العامة خطوات أولى نحو تجاوز مشكل العمل الجماعي. غير أن العوائق البنيوية ما زالت حاسمة: التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، وميل الدول القوية إلى صياغة حوكمة الذكاء الاصطناعي وفق مصالحها الاستراتيجية، وترددها أمام القواعد الملزمة.

ويخلص الكاتب إلى أن مبادرة الأمم المتحدة تحمل فرصة ومحدودية معاً. فهي المنصة العالمية الأوسع شرعية وتمثيلاً لمناقشة الحوكمة، ومناقشة الذكاء الاصطناعي كعنوان أمني في الدورة الحادية والثمانين دليل على هذا الإمكان. لكن بطء آليات اتخاذ القرار وحق النقض ومحدودية قوة العقوبات قد تجعلها قاصرة أمام تقنية تتطور بسرعة فائقة. لذا يرجّح أن يبدأ النظام تحت مظلة الأمم المتحدة، لكنه سيتشكّل في نهاية المطاف كبنية مرنة متعددة الفاعلين تشمل شركات التكنولوجيا والتحالفات الإقليمية. وبينما تتسابق سرعة الذكاء الاصطناعي مع البطء التقليدي للمجتمع الدولي، يبقى نجاح النظام مرهوناً بإرادة الدول في التوافق على آلية «فرملة» مشتركة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!