ترك برس

في قلب سهل حران الخصيب، جنوب مدينة شانلي أورفا بحوالي 44 كيلومترًا، تقف أطلال مدينة حران القديمة كشاهدة صامتة على خمسة آلاف عام من التاريخ البشري المتواصل. 

هذه المدينة، التي تحتل موقعًا استراتيجيًا في شمال بلاد ما بين النهرين، كانت ملتقى للطرق التجارية الكبرى التي تربط الأناضول ببلاد الرافدين وسوريا وشمال بلاد الشام، فكانت محطة أساسية لتجار الآشوريين وغيرهم عبر آلاف السنين. 

وقد أدى هذا الموقع المتميز إلى تراكم ثقافي غني وعميق، جعل من حران مركزًا دينيًا وعلميًا وتجاريًا بارزًا. يذكر العهد القديم المدينة باسم «حاران»، بينما يربط المؤرخون الإسلاميون تأسيسها بقاينان حفيد نوح، أو بآران (حران) أخي إبراهيم عليه السلام. 

ويذكر ابن شداد في القرن الثالث عشر أن إبراهيم أقام في هذه المدينة قبل رحيله إلى فلسطين، وأن فيها بيتًا ومسجدًا وحجرًا ينسب إليه، ولهذا عُرفت حران أيضًا بـ«مدينة إبراهيم».

تستند أقدم المعلومات التاريخية الموثوقة عن حران إلى الاكتشافات الأثرية والنصوص المسمارية. يرد اسم المدينة لأول مرة في ألواح كولتيبه وماري من أوائل الألف الثاني قبل الميلاد بصيغة «حر-را-نا» أو «ها-را-نا»، كما ورد في ألواح إيبلا شمال سوريا. وفي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، تذكر الألواح الحثية أن آلهة القمر والشمس في حران كانت شاهدة على معاهدة بين الحثيين والميتانيين. 

ازدهرت المدينة بفضل معبد إله القمر سين (إيهولحول)، الذي كان من أهم المعابد في الشرق الأدنى القديم، فأعاد بناءه ملوك آشوريون مثل آشوربانيبال، ثم البابلي نبو نيد في القرن السادس قبل الميلاد. 

وظل هذا المعبد رمزًا لقداسة المدينة عبر العصور، حتى أصبحت حران مركزًا بارزًا للصابئية (عبادة النجوم والكواكب)، التي استمرت حتى القرن الحادي عشر الميلادي، رغم انتشار المسيحية في أورفا المجاورة.

اشتهرت حران أيضًا بكونها أحد المراكز الثلاثة الكبرى للفلسفة في العالم القديم، حيث نشأت «مدرسة حران» الفلسفية. وفي العصر الإسلامي، تحولت المدينة إلى مركز علمي مرموق؛ فقد أسس فيها أول جامعة إسلامية تقريبًا في القرن الثامن الميلادي، وازدهرت فيها علوم الفلك والرياضيات والطب والفلسفة، وخرج منها علماء كبار مثل ثابت بن قرة. وقد اعتمدت المدينة على نهري جولاب وديسان اللذين جفا اليوم، فباتت اليوم في وسط سهل جاف، إلا أن أطلالها ما زالت تحتفظ بعبق الماضي.

تتميز حران اليوم ببقاياها المعمارية الفريدة: التلة الأثرية (الهويوك)، والقلعة الداخلية ذات الأبراج المضلعة، والأسوار الإهليلجية التي تمتد حوالي أربعة كيلومترات وبها ستة أبواب، والجامع الكبير (أولو جامع) الذي يُعد من أقدم الجوامع الإسلامية وقد استخدم مئذنته مرصدًا فلكيًا، وبقايا الجامعة والمدارس، بالإضافة إلى البيوت التقليدية ذات القباب المخروطية المبنية من الطوب اللبن والحجر. 

هذه البيوت، التي تعود في شكلها الحالي إلى القرون الأخيرة، توفر تبريدًا طبيعيًا في الصيف وتدفئة في الشتاء، وتُعد من أبرز رموز العمارة الشعبية في المنطقة. وبفضل هذا التراث الغني والمتنوع، أُدرجت «حران ومستوطنات شانلي أورفا» في القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو منذ عام 2000.

هكذا تظل حران مدينة الأساطير والعلوم والعبادات القديمة، تروي لزائريها قصة حضارة امتدت من عصور الآلهة القمرية إلى أمجاد الجامعات الإسلامية، شاهدة على استمرارية الإنسان في هذه الأرض المباركة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!