ترك برس

في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يقدم غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، قراءة استراتيجية معمقة لمسار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية التي اندلعت في نهاية فبراير 2026. ويرى الكاتب أن الحرب لا تنتهي إلا بإحدى ثلاث طرق: إما أن تصل إلى نقطة قرار يُظن أنها نصر وليست كذلك، أو تتجمد فيُظن أنها سلام وليست كذلك، أو تستمر زاحفة فتُنسى، وهي الأخطر على الإطلاق. ومن خلال هذا الإطار النظري يرسم صورة الواقع الراهن ويحلل احتمالاته.

يشير الكاتب إلى أن الحرب التي بدأت نهاية فبراير 2026 شهدت وقف إطلاق نار في أبريل ثم مذكرة تفاهم في 17 يونيو، قبل أن تتجدد في يوليو. ومع نهاية سبتمبر يبدو المشهد كالتالي: مضيق هرمز يعمل جزئياً لكنه ليس حراً تماماً، والبنية النووية متضررة لكن الملف لم يُغلق، والمفاوضات عبر قطر لا تُنتج نتائج، وواشنطن ترفض عرض إيران لوقف إطلاق نار قصير وتلمّح إلى احتمال تصعيد الضغط بعد الانتخابات النصفية. فالحرب لم تنتهِ ولم تتجمد بالمعنى الكلاسيكي، بل هي أقرب إلى ما يسميه «الحرب الزاحفة» أو الصراع الممتد منخفض الحدة.

ويفرق الكاتب بدقة بين المفاهيم الثلاثة. فنقطة القرار هي العتبة التي يستطيع الطرفان عندها أن يقولا «يكفي»، ويمكن تحويلها إلى سردية: ليس تدمير البرنامج النووي بل إعلان فترة تأخير قابلة للرقابة، أو قاعدة تشغيل قابلة للتطبيق في هرمز، أو ظهور عجز النظام عن تحمل الحرب. أما الأزمة المجمدة فتعني توقف النار إلى حد كبير مع ثبات الخطوط دون حل سياسي، كما في كوريا 1953 أو قبرص 1974 أو وقف إطلاق النار اللبناني عامي 2006 و2024. وفيها لا سلام رسمي، ويبقى حق الانتهاك محفوظاً، وتنتقل المواجهة إلى الاقتصاد والردع والزمن. أما الحرب الزاحفة فهي غياب الاثنين معاً: النار لا تنقطع تماماً، والحدة تهبط ثم ترتفع، والخطوط لا تُقفل والسردية لا تُغلق. وهذا ما يصف به الكاتب الملف الإيراني اليوم.

ويرى أن التجميد لا يأتي من رغبة في السلام، بل يحتاج إلى خمسة شروط مجتمعة: عدم القدرة على فرض قرار استراتيجي، وظهور عتبة الألم المتبادل (أسعار النفط والجدول الانتخابي لواشنطن، والانهيار الاقتصادي والتوتر الداخلي لإيران)، وتحول هرمز إلى خطر قابل للإدارة بقواعد عبور وتأمين ووساطة، وتأجيل الملف النووي لا حله، وقبول الأطراف الثالثة (قطر وعمان والصين وروسيا ودول الخليج) بإدارة الحرب لا إنهائها. فإذا اجتمعت هذه الشروط تحول الوضع إلى عداء مُدار؛ وإلا فإن التجميد لا يستقر.

أما السيناريو الأهم في رأي الكاتب فهو ما قد يحدث بعد انتخابات نوفمبر 2026 النصفية، حين ترفع واشنطن الضغط لفترة محدودة سعياً إلى نظام مرور حر في هرمز وتقييم الضرر النووي بأنه «كافٍ»، ثم تحاول تثبيت الخط. غير أن هذه المرحلة لا تنتج قراراً بل توضح العتبة فقط. فالعمل الجوي والحصار والعقوبات يعمقان الضرر، لكن النظام يبقى قائماً وقدرة إيران على رفع كلفة هرمز لا تنتهي، وخيار الاحتلال غير مطروح. والزمن محدود لأن علاوة النفط ومخزون الذخيرة والسياسة الداخلية تحتمل «موسماً إضافياً» لا حرباً بلا نهاية. وإذا أُعلن الملف النووي «كافياً» دون إنهائه، وبقي هرمز نصف مفتوح، فإن أي محاولة للتجميد ستكون غير متماثلة ومؤقتة، لأن واشنطن مضطرة لإغلاق المرحلة بنتيجة، فإن عجزت بقي الأمر عملاً ناقصاً لا يتجمد.

وإذا انغلق باب التجميد، فإن منطق الحرب لا يتوقف بل يبحث عن نقطة قرار. وهذه النقطة ليست نصراً كلاسيكياً، بل قد تظهر في أحد ثلاثة مواضع: إعلان سياسي بإغلاق الملف النووي عبر فترة تأخير قابلة للرقابة، أو صدمة قصيرة في هرمز أو قاعدة تشغيل مؤقتة يكتبها وسيط، أو وصول قدرة النظام الداخلية إلى حد «لم نعد نتحمل هذه الحرب»، وهو أمر لا يُفرض من الخارج بل ينتجه طول الضغط والتآكل الاقتصادي. فإذا لم يظهر أي من هذه العناصر استمرت الحرب زاحفة.

ويخلص الكاتب إلى أن الميل الحالي يرجح السير نحو الحرب الزاحفة لأن شروط التجميد غير مكتملة. فالقرار لا يُفرض والضغط لا يُترك، وهرمز لم يصبح بعد خط تفاوض، والضرر النووي «الكافي» لا يغلق الملف، والخطوط اللبنانية والوكيلة تبقى امتداداً للحرب الرئيسية. والنتيجة المتوقعة: جولة ضغط قصيرة، حكم بـ«ضرر كافٍ»، قاعدة نصفية في هرمز، ثم كثافة منخفضة. لا تجميد طويل على الطراز الكوري ولا نصر كلاسيكي، بل حرب زاحفة تترك لكل طرف سرديته: واشنطن تقول إنها بلغت الهدف النووي، وإيران تقول إنها حافظت على السيادة والمضيق، والوسطاء يظنون الوساطة سلاماً، بينما الواقع عقوبات وحصار وصواريخ متقطعة وعلاوة تأمين وعتبة مؤجلة.

وينتقل التحليل إلى البعد الاقتصادي لهذه الحرب الزاحفة، التي لا تضرب بصدمة واحدة بل تنتج علاوة مستمرة. فسعر برنت يراوح حول 105–106 دولارات (مقابل نحو 72 قبل الحرب)، ومرور النفط عبر هرمز ارتفع إلى نحو 7.4 ملايين برميل يومياً بعد أن كان 20 مليوناً، لكنه لم يعد إلى الطبيعي. وناقلات الخليج–الصين بلغت تكلفة الشحن 24 دولاراً للبرميل أحياناً، أي ربع سعر الخام. أما داخل إيران فقد انكمش الناتج المحلي 10% في الربع الأول من الحرب، ونشاط النفط والغاز 26%، واستقر التضخم حول 70%، وفقد الريال نحو نصف قيمته خلال عام، وانكمش التجارة الخارجية بمقدار الثلث. النظام يبقى، والاقتصاد لا يتعافى. وعلى المستوى الإقليمي تتحول دول الخليج إلى اقتصاد علاوات التأمين والشحن، بينما تتأثر تركيا بشكل غير مباشر عبر فاتورة الطاقة والشحن والتضخم المستورد وقيمة الممرات البديلة. وعلى المستوى العالمي لا ينهار النظام بل يصبح أغلى وأقل يقيناً، مع أسعار تلتصق حول المئة دولار وعلاوة بحرية مستمرة.

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن تركيا ليست طرفاً في هذه الحرب ولا مضطرة إلى الانجرار إلى أزمة مجمدة، لكن حساسيتها تكمن في أسعار الطاقة والشحن وقيمة الممرات البديلة. أما الخلاصة الأوسع فهي أن الحرب الزاحفة خطرة لأنها تُنسى. فالأزمة المجمدة على الأقل ترسم خطاً، أما الزاحفة فتترك الخط والجدول غائمين. وفي الملف الإيراني اليوم: إن لم تأتِ نقطة القرار يُبحث عن التجميد، وإن لم تكتمل شروط التجميد استمرت الحرب. والزحف يترك سرديات للجميع ولا يترك إغلاقاً لأحد. والاقتصاد المحلي يتآكل، والعلاوة الإقليمية تتضخم، والسعر العالمي يلتصق. لا نصر كلاسيكي، بل تغيير في الوضع الاستراتيجي؛ فإن تعذر فهو الحرب الزاحفة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!