ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع «إندبندنت تركية»، يقدم جهاد إسلام يلماز، المنسق العام لمركز غوفنسام، مفهوماً استراتيجياً يسميه «التطويق من الداخل»، معتبراً إياه مكملاً للمقاربة الكلاسيكية في الفكر الاستخباراتي، وأكثر قدرة على تحقيق نتائج دائمة في مواجهة التهديدات الشبكية والخلوية المعاصرة.

يبدأ الكاتب بتذكير القارئ بأن المصطلح الكلاسيكي في الفكر الاستخباراتي طالما وصف «التطويق» حركةً خارجية بالكامل: يُرصد هيكل التهديد، تُنسج حوله حلقات، يُضيَّق مجال حركته، ثم يُدفع من الخارج إما إلى التفكك أو إلى الخضوع للرقابة. ويقرّ بأن هذا النهج ظل فعالاً لعقود، لكنه يواجه اليوم حدوداً واضحة أمام البنى التهديدية القائمة على الشبكات والخلايا والقادرة على إعادة إنتاج نفسها. وهنا يبرز مفهوم «التطويق من الداخل» لا بوصفه بديلاً عن العقيدة الكلاسيكية، بل مكملاً لها، وغالباً ما يكون أكثر ديمومة في نتائجه.

ويضيف يلماز أن الفرضية الأساسية للتطويق من الداخل بسيطة: بدلاً من محاصرة هيكل التهديد من الخارج، يُسحب عناصره الداخلية تدريجياً نحو اتجاه حركتك، فيُفرَّغ مركزه فعلياً. ويوضح أن الهيكل قد يبدو من الخارج مستمراً في وجوده، لكن وحدة الإرادة وشبكة الولاء وآلية اتخاذ القرار التي كانت تبقيه قائماً تنتقل شيئاً فشيئاً إلى دائرة تأثيرك. ويؤكد أن الأمر ليس «انهياراً» بالمعنى الكلاسيكي، بل «تحويلاً من الداخل»، وهذا الفرق هو ما يمنح المنهج قيمته الاستراتيجية.

ويشرح الكاتب لماذا لا يكفي الحصار الخارجي. فأي هيكل تنظيمي، مهما بلغت صرامته، لا يتأثر تماسكه الداخلي وأيديولوجيته وروابط الولاء فيه بمجرد الضغط الخارجي. بل إن ازدياد هذا الضغط غالباً ما يولّد أثراً معاكساً: تزداد العناصر الداخلية تماسكاً حول إدراك مشترك للتهديد، وتنغلق على نفسها، وتشدد بروتوكولات أمنها، فتصبح أشد مقاومة بشكل مفارق. ويشير إلى أن الأمثلة التاريخية أثبتت مراراً أن استراتيجيات الحصار العسكري أو المادي الصرف، ما لم تمس النواة الأيديولوجية للهدف، لا تنتج سوى تراجع مؤقت، إذ يعود الهيكل إلى التشكل فور زوال الضغط الخارجي، لأن ما كان يجمعه لم يُستهدف حقاً قط.

أما التطويق من الداخل، فيملأ هذه الفجوة تحديداً. فالمسألة، بحسب يلماز، ليست هدم جدران الهيكل، بل تحويل نظرة الناس خلف تلك الجدران وحساباتهم المصلحية وولاءاتهم في النهاية، بشكل تدريجي. ويشدد على أن ذلك لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتطلب صبراً واستمرارية وفهماً عميقاً. لكنه حين ينجح، تكون نتيجته أبقى مما يمكن لأي ضغط خارجي أن يبلغه: يبقى الهيكل مادياً في مكانه، لكنه لم يعد يخدم مركزه القديم وظيفياً.

ويبرز الكاتب الجانب الأكثر تميزاً في المنهج، وهو اعتماده على منطق جذب تدريجي شبه غير محسوس بدلاً من التحركات المفاجئة والمبهرة. فالاستراتيجية لا تسعى إلى «تغيير» الأفراد داخل الهيكل المستهدف بقرار واحد، بل تبني بصبر خطوات ثقة صغيرة ومجالات مصالح مشتركة ووجهات نظر بديلة تتراكم مع الزمن. وكل خطوة تُبنى على سابقتها، حتى إذا بلغ التراكم عتبة معينة، يكون التوجه الذهني والعاطفي للعنصر المعني قد تحول نحو نقطة الجذب الجديدة لا نحو المركز القديم. ويصف قوة هذا النهج القائم على الصبر بأنها تجعل التراجع شبه مستحيل؛ إذ يمكن لاستعادة التوازن القديم أن تحدث بزوال الضغط الخارجي، أما التحول العضوي الذي ينبع من الداخل ويتبناه الشخص بإرادته الخاصة فهو أشد مقاومة بكثير. فالفرد لا يرى نفسه «محوَّلاً»، بل يرى أنه وصل بعقله إلى نتيجة مختلفة، وهذا الفارق في التجربة الذاتية هو ما يميز التطويق من الداخل عن غيره من استراتيجيات التأثير.

وينتقل التحليل إلى نتيجة هيكلية دقيقة: في الاستراتيجيات الكلاسيكية يُعرَّف النجاح بانهيار ظاهر وقابل للقياس، أما في التطويق من الداخل فيتجلى النجاح بشكل أدق وأكثر بنيوية. يفقد المركز سلطته الوظيفية رغم استمراره المادي؛ تبطؤ عمليات اتخاذ القرار، وتضعف التماسك الداخلي، وتغدو روابط الولاء التي كانت حاسمة غير محددة. ويبدو الهيكل من الخارج لا يزال قائماً، لكنه من الداخل فقد العمود الفقري الإرادي الذي كان يجمعه. ويرى يلماز أن هذه النتيجة ثمينة في الممارسة الاستخباراتية، لأن الانهيار المادي يخلق فراغاً غالباً ما يملؤه هيكل آخر بسرعة، في حين يتيح «المركز الفارغ» الذي ينتجه التطويق من الداخل للهيكل أن يستنفد عمره الطبيعي بهدوء. وهكذا لا يُزال التهديد فجأة، بل يفقد معناه وقوته وصفته كمركز جذب مع مرور الوقت، وهو ما يجعل النتيجة أقل صدمة وأقل إثارة لردود الفعل لدى الفاعلين المحيطين، وبالتالي أكثر استدامة.

ويؤكد الكاتب أن ما يميز التطويق من الداخل أيضاً هو مركزيته للعنصر البشري. فهو لا ينظر إلى الهياكل ككيانات مجردة، بل كمجموع أفراد مترابطين. فقوة أي هيكل مستمدة في الحقيقة من الإيمان المشترك أو المصلحة المشتركة أو الخوف المشترك لدى من بداخله. لذا يرى أن التطويق من الداخل فنٌّ يقوم على فهم هؤلاء الناس، واستيعاب دوافعهم وإحباطاتهم وتوقعاتهم بعمق، ثم بناء تقارب حذر على أساس هذا الفهم. ويبرز هذا البعد الذي غالباً ما يُغفل في العمل الاستخباراتي: التحليل القائم على التعاطف. فبدون فهم العناصر داخل الهيكل يستحيل التأثير فيهم. ومن ثم فإن التطويق من الداخل ليس مجرد أسلوب تقني، بل انضباط يتطلب وعياً عميقاً بالسلوك البشري، وإذا امتزج بالملاحظة الصبورة وبناء الثقة المتسق والتوقيت الصحيح، فإنه يمتلك القدرة على تحويل حتى أشد الهياكل صلابة من الداخل.

ويختتم يلماز بالتأكيد على أن الجانب الأكثر إثارة للإعجاب في التطويق من الداخل هو أنه لا يطلب الظهور. فهو يقدم عملية تحول صامتة طويلة النفس وفعالة في النهاية، بدلاً من العمليات الكبرى التي تجمع التصفيق. ويُرى نجاحه لا في العناوين، بل في التآكل الصامت الذي يعيشه الهيكل داخل نفسه مع الزمن. وهذه الصمت هو أكبر قوته؛ لأن تدخلاً غير مرئي يحرم الطرف المقابل من فرصة إعادة تنظيم نفسه. ويشير الكاتب إلى أن هذا الفهم للعمل الصامت والصابر والمركز على الإنسان يتوافق مع أسلوب عمل جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MIT) منذ سنوات طويلة، الجهاز الذي يرصد التهديدات قبل أن تصبح ظاهرة، ويجمع بين الاستخبارات البشرية والإمكانات التقنية، ويحقق معظم نجاحاته بعيداً عن أعين الرأي العام، بما يحفظ استقرار الدولة وسكينة الأمة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!