
ترك برس
مع تغير التوازنات في غرب آسيا، تتابع الهند التطورات عن كثب كواحدة من الدول الأكثر اهتماماً بما يجري. ويقدّم الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، في مقال نشره موقع "إندبندنت تركية"، قراءة معمقة لمخاوف نيودلهي، موضحاً أن قلقها لا ينبع من احتمال امتداد الصراعات إلى أراضيها، بل من تأثير البيئة الأمنية الجديدة على أمن الطاقة لديها ومسارات التجارة والشراكات الإقليمية التي بنتْها بجهد كبير خلال السنوات الأخيرة.
يشير كاندمير إلى أن الصورة أمام نيودلهي تزداد تعقيداً. فالهند تدير علاقات بمستويات مختلفة مع إيران وإسرائيل والسعودية وقطر والإمارات، إلى جانب شراكة استراتيجية شاملة مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، فإن التنافس مع باكستان والتقارب التركي-الباكستاني يجعلان حساباتها الأمنية في المنطقة أكثر تعقيداً. وهكذا تجد نيودلهي نفسها أمام معادلة تضم عدداً كبيراً من الفاعلين الذين تجمعهم علاقات تنافس وتعاون متفاوتة المستويات.
ويظهر تحليل نُشر في نادي فالداي في 6 تشرين الأول/أكتوبر أن هذا القلق يُتناول بشكل متزايد من منظور أمني. ووفقاً للتحليل، فإن حالة عدم اليقين في مضيق هرمز تحديداً تشكل خطراً جدياً على أمن الطاقة الهندي.
فلماذا تشعر نيودلهي بهذا القلق البالغ؟
يذكّر الكاتب بأن الهند واحدة من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، وأن أي اضطرابات في منطقة الخليج تترتب عليها نتائج اقتصادية مباشرة عليها. فإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة أو تقييد المرور فيه بشكل كبير قد يرفع أسعار النفط والغاز، كما أن ارتفاع تكاليف الشحن قد يضغط على الاقتصاد الهندي. والمسألة لا تقتصر على أسعار الطاقة فحسب، بل إن روابط الهند التجارية مع أوروبا وغرب آسيا تعتمد أيضاً على استقرار الممرات البحرية. لذلك فإن مضيق هرمز بالنسبة لنيودلهي أكثر بكثير من مجرد منطقة أزمة إقليمية؛ إنه عقدة جيوسياسية يمكن أن تؤثر على نموها الاقتصادي وروابطها الاستراتيجية.
ويكتسب ميناء تشابهار والممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، اللذان تطورهما الهند عبر إيران، أهمية خاصة في هذا الإطار. فقد سعت نيودلهي منذ فترة طويلة إلى إنشاء مسارات بديلة تصلها بإيران وآسيا الوسطى دون المرور عبر باكستان. ومن هنا فإن أي اضطرابات في إيران تؤثر مباشرة على حساباتها الاستراتيجية.
أما القلق الثاني فيتعلق بالمعمارية الأمنية الجديدة. فاتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب/أغسطس 2026 أضافت عنصراً جديداً إلى معادلة الأمن الإقليمي. وبموجبها يُعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الباقيين. وبالنسبة لنيودلهي، يبرز العامل الباكستاني بشكل خاص هنا.
فقد طورت الهند علاقاتها مع السعودية بشكل جدي في السنوات الأخيرة، وأصبحت مجالات الطاقة والاستثمار والدفاع جزءاً مهماً من سياستها تجاه الخليج. والآن فإن إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات الأمنية بين السعودية وباكستان يدفع نيودلهي إلى إعادة حساباتها. علاوة على ذلك، فإن تركيا موجودة أيضاً في المعادلة. فالتقارب التركي-الباكستاني يُتابع منذ فترة طويلة باهتمام بالغ في الهند، ولقاء قدرات أنقرة في الصناعة الدفاعية مع القوة العسكرية والنووية الباكستانية والقوة الاقتصادية السعودية في إطار واحد ليس تطوراً يمكن لنيودلهي تجاهله في تقييمها الأمني الإقليمي.
غير أن الكاتب يشدد على ضرورة التمييز المهم: فقراءة ميثاق مكة على أنه تحالف معادٍ للهند مباشرة لا تبدو صحيحة. وتشير بعض التقييمات الهندية إلى أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى تحالف مؤسسي شبيه بالناتو، بل يُنظر إليه أكثر كآلية تأمين استراتيجي في مواجهة حالة عدم اليقين الإقليمية.
ويظهر هنا جوهر المشكلة بالنسبة لنيودلهي. فالهند أقامت علاقات متزامنة مع معظم الفاعلين في غرب آسيا: إسرائيل شريك مهم في الدفاع والتكنولوجيا، وإيران ذات أهمية استراتيجية في الطاقة والنقل، والسعودية ودول الخليج مهمة اقتصادياً، والولايات المتحدة أحد الشركاء الاستراتيجيين الرئيسيين على المستوى العالمي. ولذلك فإن اختيار جانب بشكل صريح في الأزمات الإقليمية قد يضر بالدبلوماسية متعددة الاتجاهات التي بنتها خلال السنوات الأخيرة.
ويدخل هنا مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية التقليدي. فالهند تعيد تفسير سياسة عدم الانحياز التي انتهجتها في حقبة الحرب الباردة على أنها استقلالية استراتيجية في ظل الظروف الراهنة، وتريد أن تتمكن من تغيير موقفها وفقاً لمصالحها في خضم التنافس بين القوى الكبرى. غير أن التطورات في غرب آسيا تخلق بيئة تضغط على هذه المرونة.
ويوضح كاندمير أن أحد الأبعاد المهمة في تغير إدراك التهديد لدى الهند هو استعادة باكستان لوزنها في المعادلة الإقليمية. فالمشكلة بالنسبة لنيودلهي ليست تقارب باكستان مع السعودية فحسب، بل وجود تركيا أيضاً في الإطار الأمني نفسه. وهذا يطرح سؤالاً جديداً في سياسة الهند تجاه غرب آسيا: كيف ستحافظ الهند على شراكاتها الاستراتيجية في منطقة تشهد صعوداً متجدداً للنفوذ الباكستاني؟
ويرى الكاتب أن القلق الحقيقي لنيودلهي يكمن هنا. فغرب آسيا لم تعد بالنسبة لها مجرد منطقة مصادر طاقة، بل جزءاً من مجال جيوسياسي أوسع يمتد من المحيط الهندي إلى المتوسط، ومن الخليج إلى آسيا الوسطى. ولذلك فهي لا تقيّم التطورات على أنها مجرد صراع بين إيران وإسرائيل أو دول الخليج، بل تنظر إلى كيفية تغيير المعمارية الأمنية الجديدة لمجال حركتها الاستراتيجي.
ومع تشكل تحالفات جديدة في غرب آسيا، تبدو رسالة الهند واضحة: نيودلهي لا تريد الدخول في أي كتلة، وتريد الحفاظ على مساحة تمكنها من التحدث مع جميع الأطراف لحماية مصالحها. لكن كلما اشتدت المنافسة الإقليمية، أصبح الحفاظ على هذه المساحة أصعب.
ويظهر إدراك التهديد الهندي بالضبط عند هذه النقطة. فالمسألة ليست وصول الحرب إلى الهند، بل تغير التوزيع الجديد للقوة بعد الحرب للمجال الاستراتيجي المحيط بها. وربما تبدأ المعركة الحقيقية في غرب آسيا بعد ذلك، لأن نتيجة الحرب مهمة بقدر أهمية من سيقع ضمن أي نظام أمني في مرحلة ما بعد الحرب.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











