ترك برس

تواجه العلاقات الاقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي اختباراً جديداً مع توجه بروكسل نحو تعزيز الإنتاج الصناعي الأوروبي وحماية المصانع المحلية من المنافسة العالمية، في إطار مبادرة «صُنع في الاتحاد الأوروبي» (Made in EU)، التي قد تؤثر في موقع الشركات التركية داخل السوق الأوروبية وسلاسل التوريد المشتركة.

وفي ظل تصاعد النزعة الحمائية عالمياً واحتدام المنافسة التجارية، تسعى أنقرة إلى ضمان عدم استبعادها من المبادرات الصناعية الأوروبية، مستندة إلى حجم التبادل التجاري الكبير بين الجانبين، والتكامل القائم بين الصناعات التركية والأوروبية، ولا سيما في قطاعات السيارات والصناعات التحويلية.

وفي هذا السياق، استعرض الكاتب غولدَنر سونوموت، في مقال نشرته صحيفة «ملييت» التركية بعنوان «الطاولة مطروحة في كواليس بروكسل: صُنع في أوروبا والحسابات الاستراتيجية لتركيا»، أبرز ملامح التحرك التركي في بروكسل، والرسائل التي وجهتها الحكومة ودوائر الأعمال إلى المؤسسات الأوروبية، محذراً من تداعيات رسم حدود جديدة داخل سلاسل الإنتاج المشتركة.

تحرك تركي في بروكسل لحماية المصالح الاقتصادية

يشير سونوموت إلى أن قصر إغمونت التاريخي في بروكسل استضاف القمة الثانية للأعمال بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، بتنظيم مشترك بين مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEİK) وقمة الأعمال الأوروبية (EBS)، في وقت تتزايد فيه المخاوف من إعادة تشكيل قواعد التجارة الدولية على أسس حمائية.

ويوضح الكاتب أن السؤال المحوري الذي هيمن على النقاشات تمثل في موقع تركيا ضمن استراتيجية «صُنع في أوروبا»، وما إذا كانت الشركات التركية ستتمكن من الاستفادة من السياسات الأوروبية الرامية إلى دعم الصناعة المحلية وتعزيز القدرة التنافسية للاتحاد.

ويرى سونوموت أن المسألة تتجاوز مجرد تحديد منشأ المنتجات أو شروط دخول الأسواق، لتتصل بمستقبل الشراكة الاقتصادية بين الطرفين، ومدى استعداد بروكسل للاعتراف بدور تركيا بوصفها شريكاً صناعياً متكاملاً مع الاقتصادات الأوروبية.

وفي هذا الإطار، يسلط الكاتب الضوء على مشاركة مسؤولين حكوميين وممثلين عن كبرى الشركات التركية والأوروبية، في محاولة لتوضيح أن استبعاد تركيا من المبادرات الصناعية الجديدة قد ينعكس على سلاسل التوريد التي تعتمد عليها الشركات الأوروبية نفسها.

بولات: حجم التجارة يؤكد الأهمية الاستراتيجية لتركيا

ينقل سونوموت عن وزير التجارة التركي عمر بولات تأكيده أن حجم التجارة بين تركيا والاتحاد الأوروبي بلغ مستوى قياسياً قدره 262 مليار يورو، مشيراً إلى أن تركيا تُعد من أبرز الشركاء في توريد المنتجات الصناعية إلى السوق الأوروبية، بما في ذلك قطاع السيارات.

ويقول الكاتب إن بولات استند إلى هذه المعطيات لتأكيد أهمية تحديث الاتحاد الجمركي بين الطرفين، مشيراً إلى وجود أجواء وصفها بالإيجابية والبناءة بشأن هذا الملف.

وبحسب سونوموت، شدد الوزير التركي على أن التحولات في التجارة العالمية والحروب التجارية تدفع الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التعاون مع تركيا، بدلاً من التعامل معها باعتبارها طرفاً خارجياً يمكن استبعاده من الترتيبات الصناعية الجديدة.

كما رفض بولات، وفق المقال، الادعاءات القائلة إن تركيا قد تتحول إلى منفذ خلفي للصناعة الصينية للوصول إلى السوق الأوروبية، مؤكداً أن التعامل مع هذه الاتهامات يجب أن يستند إلى الوقائع الاقتصادية، لا إلى التصورات السياسية المسبقة.

وفي ما يتعلق بمسار اتخاذ القرار الأوروبي، يلفت الكاتب إلى أن بولات دعا إلى التعامل بهدوء مع مشاريع القرارات المطروحة في البرلمان الأوروبي، موضحاً أن الصيغة النهائية ستتحدد من خلال المفاوضات الثلاثية بين مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

ويعكس ذلك، وفق قراءة سونوموت، أن المفاوضات لا تزال مفتوحة، وأن أنقرة تسعى إلى التأثير في الصيغة النهائية قبل إقرار القواعد التي قد تحدد شروط مشاركة الشركات التركية في المبادرة الأوروبية.

«صُنع بالتعاون مع أوروبا».. رسالة قطاع الأعمال

لم يقتصر التحرك التركي على القنوات الدبلوماسية، بل شمل أيضاً ممثلي القطاع الخاص الذين سعوا إلى تقديم حجج اقتصادية تدعم إدراج تركيا ضمن المبادرة.

وفي هذا السياق، ينقل سونوموت عن الرئيس التنفيذي لمجموعة «كوتش» التركية، ليفنت تشاكر أوغلو، تأكيده أن الأرقام التجارية تنقض الادعاءات التي تصوّر تركيا بوصفها امتداداً للصناعة الصينية.

ويشير تشاكر أوغلو، بحسب المقال، إلى أن حجم الصادرات التركية من السيارات إلى الاتحاد الأوروبي يبلغ 26 مليار يورو، مقابل واردات بالقيمة نفسها، بما يعكس حركة تجارية متبادلة تبلغ 52 مليار يورو في هذا القطاع.

ويرى الكاتب أن هذه الأرقام تُستخدم لإبراز طبيعة العلاقة الصناعية بين الجانبين، التي لا تقوم على تدفق أحادي للسلع، بل على تبادل المنتجات والمدخلات الصناعية ضمن منظومة إنتاج مترابطة.

كما ينقل سونوموت عن الأمين العام للمائدة المستديرة الأوروبية للصناعة، أنتوني غوتش غالفيس، تساؤله عن المفارقة بين بحث الاتحاد الأوروبي عن سبل لاستثناء المكسيك من القيود المحتملة، رغم أن حجم التجارة معها يبلغ نحو 30 مليار دولار، وبين احتمال استبعاد تركيا التي يتجاوز حجم التبادل التجاري معها 250 مليار يورو، وفق الأرقام التي أوردها المقال.

ويعكس هذا الطرح، بحسب الكاتب، مخاوف أوساط الأعمال الأوروبية من أن يؤدي استبعاد تركيا إلى الإضرار بالمصالح التجارية والصناعية للشركات الأوروبية نفسها، في ظل اعتماد قطاعات متعددة على الإنتاج والتوريد عبر الحدود.

من جانبه، ينقل سونوموت عن رئيس تنسيق مجالس الأعمال التركية الأوروبية في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية، محمد علي يالجينداغ، قوله إن أوروبا لا تستطيع تعزيز قدرتها التنافسية عبر إبقاء تركيا خارج المجال الاقتصادي الذي تعمل معه، بل من خلال تقوية سلاسل القيمة المشتركة.

وتتمحور الرسالة التي وجهها ممثلو قطاع الأعمال إلى بروكسل حول أن رسم حدود جديدة داخل شبكات الإنتاج لن يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الصناعة الأوروبية، بل قد يرفع التكاليف ويضعف الترابط الذي تستفيد منه الشركات على جانبي الحدود.

تنازلات متبادلة واتحاد جمركي وتأشيرات

ويشير الكاتب إلى أن الجانب التركي لا يكتفي بالمطالبة بإدراجه ضمن مبادرة «صُنع في أوروبا»، بل يبدي استعداداً لطرح مقترحات عملية في إطار التفاوض مع الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، ينقل سونوموت عن رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، نايل أولباك، استعداد قطاع الأعمال لدعم الخطوات المتعلقة بفتح المناقصات الحكومية التركية أمام الشركات الأوروبية، في إطار البحث عن ترتيبات متبادلة تحقق مصالح الطرفين.

ويبرز هذا الموقف، وفق المقال، توجهاً تركياً نحو ربط المطالب الاقتصادية بإجراءات تفاوضية أوسع، بدلاً من الاكتفاء بالاعتراض على القيود المحتملة التي قد تفرضها المبادرة الأوروبية.

كما يسلط سونوموت الضوء على ملف تسهيل التأشيرات لرجال الأعمال الأتراك، الذي احتل موقعاً مهماً في مناقشات القمة، بمشاركة ممثلين عن شركات كبرى، من بينها «دوغوش» و«ترينديول» و«فورد» و«تويوتا» و«كوتش».

ويشير الكاتب إلى أن قطاع الأعمال التركي ينتظر استكمال أنقرة المعايير المتبقية المتعلقة بتسهيل التأشيرات قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026، بما يتيح للجانب الأوروبي معالجة هذا الملف وإزالة المبررات التي تحول دون إحراز تقدم فيه.

وتكشف هذه الملفات، وفق قراءة المقال، أن النقاش بشأن «صُنع في أوروبا» يرتبط بمجموعة أوسع من القضايا الاقتصادية، تشمل تحديث الاتحاد الجمركي، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وإتاحة فرص أوسع للشركات في الأسواق والمناقصات العامة.

القرار لم يُحسم.. والرهان على التحرك في العواصم الأوروبية

في خلاصته، يؤكد سونوموت أن ملف «صُنع في أوروبا» لم يصل بعد إلى قرار نهائي، مشيراً إلى أن إقرار الصيغة النهائية قبل انتهاء الرئاسة الدورية الأيرلندية للاتحاد الأوروبي في 3 ديسمبر/كانون الأول 2026 غير متوقع، وفق تقديره الوارد في المقال.

ويرى الكاتب أن المرحلة المقبلة تتطلب من الدبلوماسية التركية وقطاع الأعمال مواصلة التحرك في بروكسل، وعدم الاكتفاء بالمفاوضات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل توسيع الاتصالات لتشمل العواصم الأوروبية والشركات الكبرى التي تستثمر في تركيا أو تعتمد على منشآتها الصناعية.

ويشدد سونوموت على أهمية الاستفادة من المصالح المشتركة مع الشركات الأوروبية، باعتبارها طرفاً معنياً مباشرة بأي تغييرات قد تطرأ على قواعد الإنتاج والتوريد، ويمكن أن تؤدي إلى زيادة التكاليف أو إرباك سلاسل الإمداد.

وبحسب الكاتب، فإن التحدي أمام أنقرة يتمثل في ضمان ألا تتحول السياسات الأوروبية الجديدة إلى حواجز إضافية أمام الصناعة التركية، خصوصاً في القطاعات التي يرتبط فيها الإنتاج التركي ارتباطاً وثيقاً بالأسواق الأوروبية.

ويخلص المقال إلى أن مستقبل مشاركة تركيا في مبادرة «صُنع في أوروبا» سيتوقف على مسار المفاوضات الأوروبية، وقدرة أنقرة على تقديم مقترحات متبادلة، وحشد الدعم داخل المؤسسات الأوروبية ودوائر الأعمال.

وفي حين لا يزال القرار النهائي معلقاً، تبرز القضية بوصفها اختباراً جديداً لطبيعة العلاقات الاقتصادية بين الطرفين: هل تتجه أوروبا إلى توسيع مفهوم الإنتاج المشترك ليشمل شركاءها الصناعيين المقربين، أم ستفرض حدوداً أكثر صرامة بين الإنتاج داخل الاتحاد والإنتاج خارجه؟

وهو سؤال لا يتعلق بموقع المنتجات التركية في السوق الأوروبية فحسب، بل يمتد إلى مستقبل التكامل الصناعي بين الجانبين، وقدرتهما على الحفاظ على تنافسيتهما في بيئة تجارية عالمية تتجه نحو مزيد من الحماية وإعادة ترتيب سلاسل التوريد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!