يوسف قابلان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

تأثر المسلمون هم أيضًا، وبشكل مباشر، بالهجوم الحديث الذي بدأه الغربيون حين شرعوا في الهيمنة على العالم، والتحكم فيه، وإعادة تشكيله، واستغلاله.

وبعد الهجوم الغربي، لم يعد بوسع أي حضارة أن تواصل وجودها بوصفها ذاتها، وأن تحافظ على كينونتها الخاصة.

حتى الصين والهند واليابان رفعت راية الاستسلام، وأدارت ظهرها، بيدها، لتراكماتها الحضارية الممتدة آلاف السنين، فتحولت إلى عبيد لا خلاص لهم من الرأسمالية.

والحقيقة أن ذلك كان يعني انتحارها.

لكنها لم تستطع حتى الآن أن تدرك ذلك. لقد انزلقت إلى دائرة من الإغواء المحكم إلى درجة أن الانتحار نفسه بات يمنحها لذة غريبة! وهكذا تحولت إلى أطفال بائسين ومثيرين للشفقة، أشبه بشخصيات كاريكاتورية في عالم ما بعد الحداثة!

الهجوم الغربي والأزمة الثلاثية المراحل لحضارتنا

قدّم المسلمون، في كل جغرافيا قاوموا فيها، وعلى امتداد التاريخ الاستعماري، إجابة مذهلة عن الهجوم متعدد الأوجه للحضارة الغربية، لا على المستوى المعرفي، بل على المستوى الوجودي.

وقد بلغت هذه المقاومة ذروتها في غزة، وتحولت فيها إلى رمز.

سأقدّم هنا اليوم قراءة مختلفة للعصر والتاريخ، من شأنها أن تقلب جميع مسلّماتنا رأسًا على عقب.

وسأحاول أن أُظهر كيف تمثل غزة مثالًا لافتًا على تدخّل الله تعالى في التاريخ.

لقد تحوّل التحدي المتعدد الأوجه الذي فرضته الحضارة الغربية إلى هجوم إمبريالي استعماري واسع النطاق، وإلى مجازر ودمار.

ومن الطبيعي أن الحضارة الإسلامية تأثرت هي الأخرى بهذا الهجوم وهذا الدمار. وبدأت الحضارة الإسلامية تعيش ثاني أزماتها الكبرى في التاريخ: انكسارًا معرفيًا وانقطاعًا وجوديًا. أو، إذا أردت التعبير عن ذلك بمفاهيمنا نحن، فإن الأمر يتمثل في انهيار «الزايّات الثلاث»: انهيار العقل المسلم، وأرضيته، وزمانه!

وقد انتهت هذه الأزمة إلى فقداننا العقل المسلم، الذي يشكّل مصدر ملكاتنا في التفكير على الطريقة الإسلامية وأشكال وجودنا، وأرضية العيش على الطريقة الإسلامية، والزمن المسلم.

لقد فقدنا إمكاناتنا في النظر إلى العالم بعقل مسلم (العقل)، والعيش في العالم على الطريقة الإسلامية (الأرضية)، ومنح العالم شكله ونفخ الروح فيه بالإسلام (الزمان).

وكان هذا يعني انهيار الحضارة الإسلامية: فقد أخفقنا في النضال من أجل مقاومة الهجوم الإمبريالي الاستعماري الذي بدأ يعيد تشكيل العالم، كما أخفقنا في تطوير الإرادة والقدرة الفكرية اللازمتين لتجاوز الهجوم المتعدد الأوجه القادم من الغرب. ولم نكن وحدنا في ذلك؛ فجميع الأديان والحضارات الأخرى، خارج عالمنا أيضًا، عجزت عن مقاومة التحدي الفكري الذي فرضته الحضارة الغربية، وعن صد هجومها الإمبريالي الاستعماري المتعدد الأوجه، القائم على الاعتداء والنهب والسلب والإبادة والمجازر والتطهير العرقي. وكان انتظار تطوير تحدٍّ مضاد لهذا الهجوم التدميري الشامل الذي تعذرت مقاومته أشبه بالتضرع إلى الله بدعاء لا يُرجى قبوله.

الغرب هو أعظم كارثة حلّت بالبشرية!

أؤكد هذه الخلاصة الأخيرة مجددًا، وأشدد عليها بأحرف عريضة: لم يشهد تاريخ البشرية، في أي حقبة من حقبه، حادثة تقوم فيها حضارة واحدة أو قوة واحدة بإبادة جميع الحضارات والثقافات والأديان والتقاليد الفكرية وأنماط التفكير الأخرى التي تقع خارج نطاقها، واستئصال جذورها، وتدمير إمكاناتها في المقاومة والوجود تدميرًا كاملًا.

وكما نبّه روجيه غارودي، عن دراية عميقة، فإن الغرب هو أكبر بلاء وأعظم كارثة حلّت بالبشرية.

فهو لم يكتفِ بتدمير الحضارات الأخرى على المستويين الوجودي والسياسي، واستئصال جذورها ونهبها، بل جعل العالم كله شبيهًا به على المستوى المعرفي أيضًا، وحوّله إلى عالم من المسلوبي الإرادة والوعي.

إن اسم أضخم آلة للمجازر والدمار حلّت بالبشرية في التاريخ هو الحضارة الغربية العلمانية الرأسمالية الوثنية؛ تلك الحضارة التي لا تعترف بحق الحياة لأي طرف خارجها، ولا تعرف كيف تتعايش بسلام مع الثقافات الأخرى من دون إقصائها أو تحويلها إلى «آخر». ونحن نعيش اليوم أفظع مثال على هذه الآلة المرعبة للمجازر والدمار، وأكثر تجلياتها انفلاتًا من كل قيد، في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.

الاصطفاف للتسابق على الركوع أمام نتنياهو مرتكب الإبادة الجماعية!

لقد أصبحت غزة نقطة تحوّل تاريخية إلى حد أن أي دولة غربية لم تتدخل لوقف الإبادة الجماعية في غزة، بل إن جميع القوى والدول الغربية والشرقية إما التزمت الصمت، وإما أن قسمًا كبيرًا منها ذهب وركع أمام نتنياهو مرتكب الإبادة الجماعية.

وفي هذه النقطة، أسجّل هنا بعض هذه الأسماء كي يشهد عليها التاريخ: فمنذ الأسابيع والأشهر الأولى للإبادة الجماعية، كان من بين رؤساء الدول ورؤساء الحكومات الذين ذهبوا بأنفسهم إلى إسرائيل، وتوجّهوا إلى نتنياهو، وركعوا أمامه، الرئيس الأمريكي بايدن، الذي قدّم منذ البداية كل أشكال الدعم، والذي رأى الجميع أنه كلب لدى اليهود؛ ثم رئيس الوزراء الهندي مودي؛ ورئيس الوزراء البريطاني سوناك، ذاك العجوز الخرف ذو الأصول الهندية؛ والمستشار الألماني ميرتس، الذي انتُخب حديثًا بدعم من اللوبي اليهودي؛ ورئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني... إلى آخره.

هذا القدر يكفي.

إنهم رجال ونساء سيُسجَّلون وصمة عار سوداء في تاريخ البشرية، وسيُذكرون بوصفهم عارًا على الإنسانية؛ لأنهم لم يترددوا في دعم مرتكبي الإبادة الجماعية، ولأن خوفهم من هؤلاء المجرمين بلغ حدًّا كبيرًا.

غزة ستنقذ الغرب أيضًا!

سألفت الانتباه هنا إلى مفارقة مثيرة للاهتمام ونقطة بالغة الأهمية: ففي الوقت الذي التزمت فيه النخب الغربية الصمت إزاء الإبادة الجماعية، وقدّمت لها الدعم أحيانًا، تمرّد الشعب الغربي، ربما للمرة الأولى في التاريخ، على نُخبه وقادته الذين يدعمون الإبادة الجماعية، بل وعلى القيم التي يتبنونها.

لقد أعلنت الحضارة الغربية، بيديها، أمام العالم أجمع، أنها فقدت معناها وشرعيتها وقيمتها وقدرتها على إنتاج القيم والمعاني، بالتزامن مع الإبادة الجماعية في غزة.

لقد اتضح، قبل كل شيء، أن الغرب نفسه بحاجة إلى الإنقاذ.

لقد نجح المسلمون في تقديم إجابة عن التحدي الإمبريالي والاستعماري الذي فرضه الغرب، من خلال غزة ومقاومتها، على المستوى الوجودي وإن لم ينجحوا في ذلك على المستوى الفكري: فقد أثبت المسلمون للعالم أجمع أنهم وحدهم قادرون على إنقاذ شرف الإنسانية وكرامتها، اللذين ديسا بالأقدام، حتى في أحلك أوقاتهم.

كيف أطاحت غزة بكانط وأخرجته من المعادلة؟

إن هذا النمط من القراءة هو قراءة للتاريخ تختلف عن نمط القراءة الكانطية المألوفة، التي تتسم بالتسطيح والتغافل المعرفي؛ إنها قراءة وجودية نابعة من مسعى لبناء التاريخ والحياة والحقيقة.

لقد جرّد كانط الجميع من الروح من خلال قانون أخلاقي علماني مستقل عن الدين، واختزل الحياة في أشكال من الصراع على السلطة الخالية من الروح؛ ولم يكتفِ بالاختزال، بل حبس الحياة داخل هذه الأشكال.

لقد أقام، بوصفه مثاليًا، نصبًا تذكاريًا لانعدام الروح!

ألا ترون هذا التناقض؟!

من الطبيعي أن يكون هذا هو الطريق المسدود الذي يقود إليه اختزال الحياة في إبستمولوجيا جافة، خالية من الروح، وفي عقلانية ميكانيكية جافة.

لن تستطيعوا منع أنفسكم من الحديث عن المتعالي، وعن السامي، وعن الارتقاء؛ لكنكم لن تتمكنوا أبدًا، باستخدام الأطر المفاهيمية المعرفية الخالية من الروح التي طوّرتموها، من بلوغ المتعالي أو السامي أو فعل الارتقاء. وستُحوَّل جميع هذه المفاهيم إلى صور كاريكاتورية، وتُنفى من الحياة.

إننا نرى أن غزة تمثل اسمًا وعنوانًا لرحلة طويلة النفس من المقاومة والبعث والوجود؛ رحلة تجلّت فيها الكيفية التي أجبرت بها الأجواء التحررية التي أطلقتها غزة، والروح المُحيية التي نفختها في العالم، كانط، واضع أسس العالم الحديث، على الخضوع؛ وكيف أخرجت نظرياته الجميلة، في لحظة واحدة، من دائرة الاعتبار، وكشفت كيف أُقيم العالم الحديث، قسرًا، على أسس واهية. وهي رحلة ستتضح نتائجها وثمارها مع مرور الوقت، على نحو أكثر جلاءً وإثارةً للانتباه.

 

عن الكاتب

يوسف قابلان

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس